فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 150

الفصل الأول

نفي انتساب الحافظ ابن حجر للأشاعرة

نسب كثيرٌ من الأشاعرة ابنَ حجر - رحمه الله - إلى مذهبهم؛ لما وافقهم في مبحث الأسماء والصفات، ولم يكلِّفوا أنفسهم عناء النظر في بقية أقواله في مبحث الاعتقاد الذي يفارقهم فيه؛ بل ويباينهم فيه.

فمن أقوى أصول الأشاعرة التي يخالفهم فيها الحافظُ ابن حجر - رحمه الله - ويقوم عليها مذهبهم - كما مرَّ بنا في المقدمات - اعتمادُهم على العقل في تقرير مذهبهم، وللمتأمل في أقوالهم أن يستدرك عليهم ذلك، فمن أبرز ما ينتقد على أهل البدع قاطبةً تضارُبُ أقوالهم في الفروع التي بنَوها على الأصول التي قرروها وأسَّسوا عليها مذاهبهم، فهذا العقل الذي يطلق له العنان في مبحث الأسماء والصفات، ولا يقف أمامه دليل سمعي، فالأدلة المعارضة له إما أخبار آحاد، وإما أنها مؤولة - لا اعتبار له في مبحث التحسين والتقبيح، فالعقل إما أن يكون قادرًا على معرفة الحسن والقبيح في كل الأحوال، وإما ألاَّ تكون له القدرة على ذلك في كل الأحوال، وخاصةً إذا كان أصل قولهم بالتأويل هو التنزيه العقلي لله - عزَّ وجلَّ - وصرْف مشابهته للمخلوقات، فلا دليل سمعي على نفْي الصفات التي نسبها الله - عزَّ وجلَّ - لنفسه على الحقيقة، في ظل نفي المماثلة والمشابهة لغيره، قال - تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] .

ففي هذه الآية نفي للماثلة في {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ، وإثبات لحقيقة الصفة في إثبات أن الله هو {السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} ، فبعد أن نفَى المماثلة لخلقه، أثبت شيئًا غير مماثل لم يأتِ النص السمعي بنفيه، فنافي الإثبات هو الذي يحتاج إلى دليل على صحة النفي.

وقد اتخذ الحافظ ابن حجر - رحمه الله - هذا الموقفَ الوسط في قضية العقل، فالعقل يستطيع تمييز الحسن والقبيح، ولكن لا ثواب ولا عقاب إلا بعد مجيء الشرع.

قال الحافظ في"فتح الباري"13/ 365:

"قال أبو المظفر السمعاني أيضًا ما ملخصه: إن العقل لا يوجب شيئًا، ولا حظَّ له في شيء من ذلك، ولو لم يَرِد الشرع بحكم ما وجب على أحد شيء؛ لقوله - تعالى: وَمَا كُنَّا"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت