فقال: في الحديث الصحيح: (( لا أحدَ أغير من الله؛ ولذلك حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ) )، وقال: (( أتعْجَبون من غيرة سعد؟ لأَنَا أغير منه، والله أغير منِّي ) ) [1] .
وقول القائل: هذه انفعالاتٌ نفسية.
فيُقال: كلُّ ما سِوَى الله مَخْلوق مُنْفَعِل، ونحن وذَواتُنا منفعِلَة، فكونُها انفعالات فينا لغيرنا نعجز عن دفعها: لا يُوجِب أن يكون الله منفعلًا لها عاجِزًا عن دَفْعها، وكان كلُّ ما يَجْرِي في الوجود، فإنه بمشيئته وقدرته لا يكون إلاَّ ما يشاء، ولا يشاء إلاَّ ما يكون، له المُلْك وله ... الحمد"؛ اهـ."
قال الحافظ - رحمه الله - في"فتح الباري"3/ 30 ح 1145:
"قوله: (( يَنْزل ربنا إلى السماء الدنيا ) ) [2] استَدلَّ به من أثبت الجِهَة، وقال: هي جهة العلو، وأنكر ذلك الجمهورُ؛ لأنَّ القول بذلك يُفْضِي إلى التَّحيُّز، تعالى الله عن ذلك ...".
إلى إن قال:
"وقال ابن العربيِّ: وعن قومٍ تأويلها، وبه أَقُول، فأمَّا قوله (( يَنْزل ) )فهو راجع إلى أفعاله، لا إلى ذاته، عبارة عن مَلَكه الذي يَنْزل بأمره ونهيه"؛ اهـ.
وقال - رحمه الله - في"فتح الباري"7/ 124 ح 3803:
"فمعتقد سلَفِ الأمة، وعلماء السُّنة من الخَلَف: أنَّ الله مُنَزَّه عن الحركة والتحَوُّل"؛ اهـ.
يُجاب عمَّا فات من وجوه:
-أنَّ أحاديث النُّزول متواترة؛ حيث رَواها نحْوٌ من ثمانية وعشرين صحابيًّا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - واشتملت عليه كتبُ الإسلام ودواوينه، كـ:"صحيح البخاري"، و"صحيح مسلم"، و: كتب الصِّحاح الأُخرى، لابن خزيمة، وابن حِبَّان، والسُّنن الأربعة، و"مسند أحمد"، بل أفرَدَها بعضْهم بالتَّصنيف، كالدارقطني وغيره.
وحقيقة الخلاف لا تَكْمُن في ثبوت الحديث من عدَمِه، بل في تفسيره، فسلَفُ الأُمَّة يُمِرُّونه على ظاهره، ويُثْبِتون لله نزولًا يليق بذاته كما أثبته لنفسه، بينما يتأوَّله غيرهم بتأويلات يأتي
(1) سبق تخريجه.
(2) سبق تخريجه.