الكتاب والسُّنة ما يدلُّ على ذلك؛ بل النُّصوص الصَّحيحة على نَفْيه أدَلُّ؛ كما في"صحيح مسلم"عن أبي ذرٍّ، قال: سألتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم: هل رأيتَ ربَّك؟ فقال: (( نورٌ، أنَّى أراه؟ ) ).
وقد قال - تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء: 1] .
ولو كان قد أراه نَفْسَه بعينه، لكان ذِكْرُ ذلك أَولى.
وكذلك قوله: {أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى} [النجم: 12] ، {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم: 18] .
ولو كان رآه بعينه لكان ذِكْرُ ذلك أَولى.
وفي الصَّحيحين عن ابن عبَّاس في قوله: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ} [الإسراء: 60] ، قال: هي رؤيا عين أُرِيها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة أسري به، وهذه"رؤيا الآيات"؛ لأنَّه أخبَر الناس بما رآه بعينه ليلةَ المعراج، فكان ذلك فتنةً لهم، حيث صدَّقَه قومٌ وكذَّبه قوم، ولم يُخبِرهم بأنَّه رأى ربَّه بعينه، وليس في شيءٍ من أحاديث المعراج الثَّابتة ذِكْرُ ذلك، ولو كان قد وقع ذلك لذَكَره كما ذكَر ما دُونه.
وقد ثبَت بالنُّصوص الصَّحيحة واتِّفاق سلَف الأُمَّة أنه لا يَرى اللهَ أحدٌ في الدُّنيا بعينه، إلاَّ ما نازع فيه بعضُهم من رؤية نبيِّنا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - خاصَّة، واتَّفقوا على أنَّ المؤمنين يَرَون الله يوم القيامة عيانًا، كما يرون الشَّمس والقمر"؛ اهـ."
قال الحافظ - رحمه الله - في"فتح الباري"8/ 155 في أول كتاب التفسير:
"والرحمة لغةً: الرَّأفة والانعطاف، وعلى هذا فوَصْفُه به - تعالى - مجَازٌ على إنعامه على عباده"؛ اهـ.
قلتُ: وحَمْل اللَّفظ على المجاز - عند من يقولون به - لا يكون إلاَّ بعد استحالة حَمْله على الحقيقة، وإثبات صفة"الرحمة"لله - عزَّ وجلَّ - مُمْكنٌ من وجهين:
-الوجه الأول: أنَّ الله وصَفَ بها نَفْسه في كتابه.