"قوله:"إن الله لا يستحي من الحقِّ" [1] ؛ أيْ: لا يأمر بالحياء من الحق)؛ اهـ."
قال الحافظ - رحمه الله - في"فتح الباري"، 1/ 389 ح 282:
"قوله:"إن الله لا يستحي من الحقِّ"، المراد من الحياء هنا معناه اللُّغوي؛ إذِ الحياء الشَّرعي خيرٌ كلُّه، وقد تقدَّم في كتاب الإيمان أنَّ الحياء لغة: تغَيُّرٌ وانكسار، وهو مستحيل في حقِّ الله - تعالى - فيُحمَل على أنَّ المراد أن الله لا يَأمر بالحياء في الحقِّ، أو لا يَمنع من ذِكْر الحقِّ، وقد يُقال: إنما يُحتَاج إلى التأويل في الإثبات"؛ اهـ.
قال الحافظ - رحمه الله - في 6/ 389"كتاب الأنبياء ب 8"، عند قوله - تعالى: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء: 125] :
"والخليل فَعِيل بمعنى فاعل، وهو من الخُلَّة، بالضَّمِّ، وهي الصَّداقة والمَحبَّة التي تخلَّلَت القلب فصارت خلاله، وهذا صحيح بالنسبة إلى ما في قلب إبراهيم من حُبِّ الله - تعالى - وأما إطلاقه في حقِّ الله - تعالى - فعلى سبيل المقابلة، وقيل: الخُلَّة أصلها الاستصفاء؛ وسُمِّي بذلك لأنَّه يُوالي ويعادي في الله - تعالى - وخُلَّة الله نَصْره وجعله إمامًا"؛ اهـ.
وقال أيضًا في"فتح الباري"، 7/ 23 ح 3657:
"أما خُلَّة الله للعبد، فبِمَعنى نَصْره له ومعاونته"؛ اهـ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في"مجموع الفتاوى"، 10/ 203:
"والخُلَّة هي كمال المَحبَّة المستلْزِمة من العبد كمالَ العبودية لله، ومن الرَّبِّ سبحانه كمال الرُّبوبية لعباده الذين يُحبُّهم ويحبُّونه، ولفظ"العبودية"يتضمَّن كمال الذُّلِّ، وكمال الحُبِّ، فإنهم يقولون: قلب مُتيَّم، إذا كان متعبّدًا للمحبوب، والمتيَّم المتعبّد، وتيَّم اللهُ عبدَه، وهذا على الكمال حصل لإبراهيم ومحمَّد - صلَّى الله عليهما وسلم - ولهذا لم يكن له من أهل الأرض خليل؛ إذِ الخُلَّة لا تَحتمل الشركة، فإنه كما قيل في المعنى:"
قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي = وَبِذَا سُمِّيَ الْخَلِيلُ خَلِيلاَ"؛ اهـ"
وقد قدَّمْنا مرارًا وتَكرارًا أنَّ الحقَّ في مسألة الأسماء والصِّفات هو إثبات ما أثبَتَه الله لنفسه
(1) متَّفَق عليه، من حديث أم سلمة.
أخرجه البخاري في مواضع عديدة من"صحيحه"، منها: (كتاب العلم، باب: الحياء في العلم، ح 130) .
ومسلم في"صحيحه"، (كتاب الحيض، باب: وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها، ح 32) .