مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: 15] ، {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل} [النساء: 165] ، وغير ذلك من الآيات، فمن زعم أن دعوة رسل الله - عليهم الصلاة والسلام - إنما كانتْ لبيان الفروع، لَزِمَه أن يجعل العقل هو الداعيَ إلى الله دون الرسول، ويلزمه أن وجود الرسول وعدمه بالنسبة إلى الدعاء إلى الله سواءٌ، وكفى بهذا ضلالًا، ونحن لا ننكر أن العقلَ يُرشد إلى التوحيد، وإنما ننكر أنه يستقلُّ بإيجاب ذلك حتى لا يصح إسلام إلا بطريقه، ومع قطع النظر عن السمعيات؛ لكون ذلك خلافَ ما دلَّتْ عليه آيات الكتاب والسُّنة الصحيحة التي تواترتْ ولو بالطريق المعنوي، ولو كان كما يقول أولئك، لبطَلت السمعيات التي لا مجال للعقل فيها أو أكثرها؛ بل يجب الإيمان بما ثبَت من السمعيات، فإن عقِلناه فبتوفيق الله، وإلا اكتفيْنا باعتقاد حقيقته على وفق مراد الله سبحانه"اهـ."
ونجد الحافظ لا يشترط موافقة خبر الواحد للعقل؛ بل يُثبت به الأحكام ابتداءً، فإن قيل: كيف ذلك وهو يؤوِّل الأخبار؟ قلت: يؤول أدلة الصفات كلها، سواء وردتْ في الكتاب أو السنة، ولم يقصر ذلك على خبر الآحاد بعينه، ولم أقف أثناء بحثي كلِّه على قول للحافظ ابن حجر - رحمه الله - ردَّ فيه خبرًا قبولًا أو تأويلًا بحجة أنه خبر آحاد.
قال الحافظ في"فتح الباري"13/ 248، بعد أن ذكر بعض الأدلة على قبول خبر الآحاد، وردَّ على بعض الشُّبه التي تثار حوله:
"وصدقُ خبر الواحد ممكن؛ فيجب العمل به احتياطًا، وإن إصابة الظن بخبر الصدق غالبة، ووقوع الخطأ فيه نادر، فلا تترك المصلحة الغالبة؛ خشية المفسدة النادرة"اهـ.
وقال في"فتح الباري"13/ 252:
"قال ابن القيم في الردِّ على من ردَّ خبر الواحد إذا كان زائدًا على القرآن، ما ملخصه: السُّنة مع القرآن على ثلاثة أوجه:"
أحدها: أن توافقه من كل وجه، فيكون من باب توارد الأدلة.
ثانيًا: أن تكون بيانًا لما أُريدَ بالقرآن.
ثالثًا: أن تكون دالة على حكمٍ سكَتَ عنه القرآن.
وهذا الثالث يكون حكمًا مبتدَأً من النبي - صلى الله عليه وسلم - فتجب طاعتُه فيه، ولو كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يطاع إلا فيما وافق فيه القرآن، لم تكن له طاعةٌ خاصة، وقد قال - تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80] ، وقد تناقض ...