من قال: لا يُقبَل الحكم الزائد عن القرآن إلا إن كان متوترًا أو مشهورًا، فقد قال بتحريم المرأة على عمَّتها وخالتها، وتحريم ما يَحرُم من النسب بالرضاعة، وخيار الشرط، والشفعة، والرهن في الحضر، وميراث الجدة، وتخيير الأمَة إذا أُعتقت، ومنْع الحائض من الصوم والصلاة، ووجوب الكفارة على من جامَعَ وهو صائم في رمضان، ووجوب إحداد المعتدة عن الوفاة، وتجويز الوضوء بنبيذ التمر، وإيجاب الوتر، وأن أقلَّ الصداق عشرة دراهم، وتوريث بنت الابن السُّدس مع البنت، واستبراء المسبية بحيضة، وأن أعيان بني الأم يتوارثون، ولا يقاد الوالد بالولد، وأخذ الجزية من المجوس، وقطع رِجل السارق في الثانية، وترك الاقتصاص من الجرح قبل الاندمال، والنهي عن بيع الكالئ بالكالئ، مما يطول شرحه، وهذه الأحاديث كلها آحاد، وبعضها ثابت وبعضها غير ثابت، ولكنهم قسموها إلى ثلاثة أقسام، ولهم في ذلك تفاصيل يطول شرحها، ومحل بسطها أصول الفقه، وبالله التوفيق"اهـ."
لذا قال عنه ابن عبدالهادي في"الرياض اليانعة":
"كان محبًّا للشيخ تقي الدين ابن تيمية، معظِّمًا له، جاريًا في أصول الدين على قاعدة المحدِّثين، ولهذه العلة كثيرٌ من الشافعية ينتقص حقَّه، ولا يبلغ به في التعظيم منزلته، كفعلهم ذلك مع ابن ناصر الدين"اهـ.
كما خالفهم الحافظ - رحمه الله - في كثيرٍ من المسائل، وعلى رأسها مسألةُ الإيمان، فالإيمان عند الأشاعرة هو التصديق فقط.
قال البيجوري في"تحفة المريد":
وَفُسِّرَ الإِيمَانُ بِالتَّصْدِيقِ = وَالنُّطْقُ فِيهِ الخُلْفُ بِالتَّحْقِيقِ
فأخرجوا العمل بالكلية من الإيمان، فلم يعتبروا عمل القلب ولا عمل الجوارح فيه، وقد دفع شيخ الإسلام ابن تيمية اعتقادَهم هذا أيما دفع، فقال في كتاب"الإيمان"ص 183:
"والمرجئة الذين قالوا: الإيمان تصديق القلب وقول اللسان، والأعمال ليست منه، وكان منهم طائفة من فقهاء الكوفة وعبَّادها، ولم يكن قولهم مثل قول جهم، فعرفوا أن الإنسان لا يكون مؤمنًا إن لم يتكلم بالإيمان مع قدرته عليه، وعرفوا أن إبليس وفرعون وغيرهما كفارٌ مع تصديق قلوبهم - أي: بخلاف قول الأشاعرة في هاتين القضيتين [1] - ولكنَّهم إذا لم يُدخِلوا"
(1) لأن الأشاعرة ينفون التصديق عمَّن ورد الشرع بتكفيره.