سل الله أن يغفر لي ... ولا يقول: أشكو إليك ذنوبي، أو نقص رزقي، أو تسلُّط العدو عليَّ، أو أشكو إليك فلانًا الذي ظلمني، ولا يقول: أنا نزيلك، أنا ضيفك، أنا جارك، أو أنت تجير من يستجيرك، ولا يكتب أحد ورقة ويعلِّقها عند القبور، ولا يكتب أحد محضرًا أنه استجار بفلان، ويذهب بالمحضر إلى من يعمل بذلك، ونحو ذلك مما يفعله أهل البِدَع من أهل الكتاب والمسلمين، كما يفعله النصارى في كنائسهم، وكما يفعله المبتدعون من المسلمين عند قبور الأنبياء والصالحين، أو في مغيبهم، فهذا مما عُلم بالاضطرار من دين الإسلام، وبالنقل المتواتر، وبإجماع المسلمين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يَشرَع هذا لأمَّته، وكذلك الأنبياء قبله لم يشرعوا شيئًا من ذلك، ولا فعل هذا أحد من أصحابه - صلى الله عليه وسلم - والتابعين لهم بإحسان، ولا استحبَّ ذلك أحدٌ من أئمة المسلمين؛ لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولا ذكر أحد من الأئمة لا في مناسك الحج ولا غيرها أنه يُستحب لأحد أن يسأل النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عند قبره أن يشفع له، أو يدعو لأمَّته، أو يشكو إليه ما نزل بأمته من مصائب الدنيا والدِّين، وكان أصحابه يُبتلَون بأنواع البلاء بعد موته، فتارة بالجدب، وتارة بنقص الرزق، وتارة بالخوف وقوة العدو، وتارة بالذنوب والمعاصي، ولم يكن أحد منهم يأتي إلى قبر الرسول، ولا قبر الخليل، ولا قبر أحد من الأنبياء فيقول: نشكو إليك جدب الزمان، أو قوة العدو، أو كثرة الذنوب، ولا يقول: سل الله لنا أو لأمتك أن يرزقهم، أو ينصرهم، أو يغفر لهم؛ بل هذا وما يشبهه من البدع المحدثة التي لم يستحبَّها أحد من أئمة المسلمين، فليستْ واجبةً ولا مستحبة باتفاق أئمة المسلمين، وكل بدعةٍ ليست واجبة ولا مستحبة فهي بدعة سيئة وضلالة باتفاق المسلمين.
ومن قال في بعض البدع: إنها بدعة حسنة، فإنما ذلك إذا قام دليل شرعي على أنها مستحبة، فأما ما ليس بمستحب ولا واجب، فلا يقول أحد من المسلمين: إنها من الحسنات التي يتقرَّب بها إلى الله، ومن تقرَّب بما ليس من الحسنات المأمور بها أمرَ إيجاب ولا استحباب، فهو ضال متَّبع للشيطان، وسبيله من سبيل الشيطان، كما قال عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه: خَطَّ لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطًّا، وخطَّ خطوطًا عن يمينه وشماله، ثم قال: (( هذا سبيل الله، وهذه سُبُل، على كل سبيل منها شيطان يدْعو إليه ) )، ثم قرأ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] "؛ اهـ."