فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 150

واعتمد على أن الرواية التي فيها تسمية الرجل ببلال بن الحارث، فيها سيف، وقد عرفت حاله.

وهذا لا فائدة كبرى فيه؛ بل الأثر ضعيف من أصله؛ لجهالة مالك الدار - كما بيناه.

الثاني: أنها مخالفة لما ثبَتَ في الشرع من استحباب إقامة صلاة الاستسقاء؛ لاستنزال الغيث من السماء، كما ورد ذلك في أحاديث كثيرة، وأخذ به جماهير الأئمة؛ بل هي مخالفة لما أفادتْه الآية من الدعاء والاستغفار، وهي قوله - تعالى - في سورة نوح: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} [نوح: 10، 11] ، وهذا ما فعله عمر بن الخطاب حين استسقى وتوسَّل بدعاء العباس كما سبق بيانه، وهكذا كانتْ عادة السلف الصالح كلما أصابهم القحط؛ أن يصلُّوا ويدْعوا، ولم ينقل عن أحد منهم مطلقًا أنه الْتجأ إلى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وطلب منه الدعاء للسقيا، ولو كان ذلك مشروعًا لفعلوه ولو مرة واحدة، فإذا لم يفعلوه دلَّ ذلك على عدم مشروعية ما جاء في القصة.

الثالث: هبْ أن القصة صحيحة، فلا حجة فيها؛ لأن مدارها على رجل لم يُسمَّ، فهو مجهول أيضًا، وتسميته بلالًا في رواية سيف لا يساوي شيئًا؛ لأن سيفًا هذا - وهو ابن عمر التميمي - متفقٌ على ضعفه عند المحدثين؛ بل قال ابن حبان فيه:"يروي الموضوعات عن الأثبات، وقالوا: إنه كان يضع الحديث" [1] ، فمن كان هذا شأنه لا تُقبَل روايته ولا كرامة، لا سيما عند المخالفة.

الفرق بين التوسل بذات النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين طلب الدعاء منه:

الوجه الرابع: أن هذا الأثرَ ليس فيه التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - بل فيه طلب الدعاء منه بأن يَسقي الله - تعالى - أمَّتَه، وهذه مسألة أخرى، لا تشملها الأحاديث المتقدمة، ولم يقل بجوازها أحدٌ من علماء السلف الصالح - رضي الله عنهم - أعني الطلب منه - صلى الله عليه وسلم - بعد وفاته، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في"القاعدة الجليلة":

"لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - بل ولا أحد من الأنبياء قبله شرعوا للناس أن يدْعوا الملائكة والأنبياء والصالحين، ويستشفعوا بهم، لا بعد مماتهم ولا في مغيبهم، فلا يقول أحد: يا ملائكة الله، اشفعوا لي عند الله، سَلُوا الله لنا أن ينصرنا أو يرزقنا أو يهدينا، وكذلك لا يقول لمن مات من الأنبياء والصالحين: يا نبي الله، يا ولي الله (الأصل: رسول الله) ادعُ الله لي،"

(1) راجع:"المجروحين"لابن حبان، 1/ 341.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت