فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 150

وأنكر الأشاعِرةُ المعرفة الفطريَّة، ويقولون: إنَّ مَن آمن بالله بغير طريق النظر، فإنما هو مقلد، وانقَسَموا فيه بين مكفر ومكتفٍ بتعصيته.

قال عبدالقاهر البغدادي في"أصول الدين"ص 254:

"قال أصحابُنا: كلُّ مَنِ اعتقد أركان الدِّين تقليدًا من غير معرفة بأدلتها، ننظر فيه، فإن اعتقد مع ذلك جواز ورود شبهة عليها، وقال: لا آمن من أن يرد عليها من الشُّبه ما يفسدها، فهذا غير مؤمن بالله ولا مطيع له؛ بل هو كافر، وإن اعتقد الحقَّ ولم يعرِف دليلَه، واعتقد مع ذلك أنه ليس في الشُّبه ما يُفسد اعتقادَه، فهو الذي اختلف فيه أصحابنا: فمنهم من قال: هو مؤمن، وحكم الإسلام له لازم، وهو مطيع لله - تعالى - باعتقاده وسائر طاعاته، وإن كان عاصيًا بتركه النظر والاستدلال المؤدِّي إلى معرفة أدلة قواعد الدين."

وإن مات على ذلك، رجوْنا له الشفاعة وغفران معصيته برحمة الله، وإن عوقب على معصيته لم يكن عذابًا مؤبَّدًا، وصارت عاقبة أمره الجنة بحمد الله ومنِّه"اهـ."

قال الحافظ دافعًا كلامهم - كما في"فتح الباري"13/ 361 -:

"وقد تمسَّك به - يعني: حديث بعثة معاذ إلى أهل اليمن - من قال: أول واجب المعرفة، كإمام الحرمين، واستدل بأنه لا يتأتَّى الإتيان بشيء من المأمورات على قصْد الامتثال، ولا الانكفاف عن شيء من المنهيات على قصد الانزجار، إلا بعد معرفة الآمر والناهي، واعترض عليه بأن المعرفة لا تتأتى إلا بالنظر والاستدلال، وهو مقدمة الواجب، فيجب، فيكون أول واجب النظر، وذهب إلى هذا طائفة كابن فورك، وتُعُقِّب بأن النظر ذو أجزاء يترتَّب بعضها على بعض، فيكون أول واجب جزءًا من النظر، وهو محكي عن القاضي أبي بكر بن الطيب، وعن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني: أول واجب القصدُ إلى النظر، وجمع بعضهم بين هذه الأقوال بأن من قال: أول واجب المعرفة، أراد طلبًا وتكليفًا، ومَن قال: النظر أو القصد، أراد امتثالًا؛ لأنه يسلم أنه وسيلةٌ إلى تحصيل المعرفة، فيدلُّ ذلك على سبق وجوب المعرفة، وقد ذكرت في"كتاب الإيمان"مَن أعرض عن هذا من أصله، وتمسَّك بقوله - تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30] ، وحديث: (( كل مولودٍ يولَد على الفطرة ) ) [1] ؛ فإن ظاهر الآية والحديث أن المعرفة حاصلةٌ بأصْل الفطرة، وأن الخروج"

(1) متفق عليه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه.

أخرجه البخاري في صحيحه: (كتاب الجنائز/ باب: إذا أسلم الصبي فمات هل يصلَّى عليه، وهل يعرض على الصبي الإسلام؟ / ح 1358) ، (كتاب الجنائز/ باب: ما قيل في أولاد المشركين/ ح 1385) .

ومسلم في صحيحه: (كتاب القدر/ باب: معنى"كل مولود يولد على الفطرة"، وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين/ ح 22، 23، 24، 25) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت