فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 150

مال إليه القلانسي [1] - فلا يبعد على ذلك إطلاق القول بأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهذا مما لا نُؤثِره.

فإن قيل: أصلكم يُلزِمكم أن يكون إيمانُ منهمكٍ في فسقه كإيمان النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم؟ قلنا: النبي - عليه الصلاة والسلام - يفضل من عدَاه باستمرار تصديقه، وعصمة الله إياه من مخامرة الشكوك واختلاج الريب.

والتصديق عَرَضٌ [2] لا يبقى، وهو متوالٍ للنبي - عليه الصلاة والسلام - ثابتٌ لغيره في بعض الأوقات، زائل عنه في أوقات الفترات [3] ، فيثبت للنبي - صلى الله عليه وسلم - أعداد من التصديق لا يثبت لغيره إلا بعضها، فيكون إيمانه بذلك أكثر.

فلو وُصف الإيمان بالزيادة والنقصان وأريد بذلك ما ذكرناه، لكان مستقيمًا، فاعلموه" [4] ."

وهذه النصوص تغني عما عداها، ومجرد الاطلاع عليها كافٍ في تصوُّر فسادها، والحكم بمخالفتها لصحيح المنقول وصريح المعقول!

وعلى مِثْل هذه الشُّبه الواهية اعتمد أتباعُهم في الحكم على من يُدخِل العمل في الإيمان، بأنه موافق لمذهب الخوارج [5] ، ناسين أن هؤلاء موافقون موافقة تامة لرأي الفلاسفة!

هذا، وقد سبقت الإشارة إلى أن المنطق في ذاته لا يقتضي بالضرورة إخراج العمل من الإيمان، أو القول بأنه لا يزيد ولا ينقص، ونزيد هذا إيضاحًا فنقول: إن المرجئة لو تركوا مبحث التعريف بالمرة، واكتفوا بما يذكره المناطقة في مبحث الأسماء - نسبة الاسم للمعنى - وهو قولهم:"إنَّ الكُلِّي ينقسم إلى قسمَيْن:"

القسم الأول: المتواطئ، وهو الذي تستوي جميع أفراده في صدق الكلي عليها واشتراكها فيه، مثل: إنسان، ومثلث، وشجرة ...

(1) أبو العباس القلانسي أحد المتكلمين المنتسبين للأشعري؛ لكنه موافق لأهل السُّنَّة في الإيمان، انظر:"الإيمان"لابن تيمية، ص 114.

(2) وهذا أثر آخر من آثار الفلسفة اليونانية.

(3) ويمثِّلون لذلك بأوقات النوم والإغماء والغفلة؛ حيث يزول العرض بزعمهم.

(4) "الإرشاد"، ص 399 - 400.

(5) كما ذكر ابن الهمام في المسامرة، حين قال:"إن ضم الطاعة إلى التصديق هو قول الخوارج؛ ولذا كفَّروا بالذنب لانتفاء جزء الماهية"؛ انظر"المسايرة شرح المسامرة"، ص 14، وتبعه الزبيدي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت