الإيمان ونقصانه، وتفاضُل أهله فيه، ودخول الأعمال فيه، ويتعسفون في تأويلها؛ حتى تَسلَم لهم هذه القاعدة.
ومن أخطر النتائج التي رتَّبوها على ذلك قولُهم بتساوي إيمان الملائكة والأنبياء كجبريل ... ومحمد - صلى الله عليه وسلم - مع إيمان الفساق المنهمكين في الفسق؛ بل وإيمان من لم يقل: لا إله إلا الله بلسانه، وإنما صدَّق بقلبه بزعمهم.
وهذه النتيجة مع منافاتها للبديهيات الثابتة عند عوام المسلمين، سطروها وقرَّروها بإطناب وإسهاب، فلما صدمهم اعتراضُ المسلمين، التمسوا تقْيِيداتٍ واهيةً تغض من مقام النبوة أكثرَ مما ترفعه عن مستوى الانهماك في الفسق.
ونكتفي من كلامهم بنصين عن رجلين من كبار أئمتهم المتقدمين:
1 -أبو بكر بن فورك: أحد كبار الأشاعرة المتوفَّى سنة 403 هـ أو بعدها.
وقد شرح كتاب"العالم والمتعلم"المنسوب للإمام أبي حنيفة، وأطال في تقرير هذه القاعدة حتى استغرقت منه أكثر من عشر لوحات [1] بكلام فلسفي مجرد، نذكر منه ما نقله عن المتن المنسوب للإمام، وهو:
"قال المتعلم: أخبرْني من أين ينبغي لنا أن نقول: إيماننا مثل إيمان الملائكة والرسل، وقد نعلم أنهم كانوا أطوعَ لله منا؟!"
قال العالم: وقد نعلم أنهم كانوا أطوع لله منا، وقد حدثنا أن الإيمان غير العمل، فإيماننا مثل إيمانهم؛ لأنا صدَّقنا بوحدانية الرب وربوبيته وقدرته بما جاء من عنده، بمثل ما أقرتْ به الملائكة وصدقت به الأنبياء والرسل - صلوات الله عليهم - فمن ها هنا زعمنا أن إيماننا مثل إيمان الملائكة؛ لأنا آمنا بكلِّ شيء آمنتْ به الملائكة مما عاينتْه الملائكة من عجائب الله - تعالى - ولم نعاينه" [2] ."
ثم شرحه مبيِّنًا أن التصديق جنس واحد لا يفضل بعضه بعضًا، وعلَّل ذلك بقوله:
"لأن تصديق القلب هو الإيمان، فإذا اعتقد النبي صِدقَ الله في أخباره، واعتقدْنا صدقه في أخباره تعالى، كان جنس اعتقادنا بصدقه جنس اعتقاده بصدقه بلا تفاوت [3] ."
(1) اللوحات من 61 - 71 من الشرح (مخطوط) .
(2) لوحة 61 - 62.
(3) لوحة 62 - 63.