أما التأويل في كلام السلف، فله معنيان:
1 -التفسير: كما تجد في تفسير الطبري ونحوه:"القول في تأويل هذه الآية"؛ أي: تفسيرها.
2 -الحقيقة التي يصير إليها الشيء: كما في قوله - تعالى: {هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ} [يوسف: 100] ؛ أي: تحقيقها، وقوله: {يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} [الأعراف: 53] ؛ أي: تحقيقه ووقوعه.
أما التأوُّل، فله مفهوم آخر: راجع الحاشية.
وإن تعجبْ فاعجبْ لهذه اللفظةِ النابية التي يستعملها الأشاعرة مع النصوص، وهي أنها"توهم"التشبيه؛ ولهذا وجب تأويلها، فهل في كتاب الله إيهام، أم أن العقول الكاسدة تتوهَّم، والعقيدة ليست مجال توهم؟!
فالعيب ليس في ظاهر النصوص - عياذًا بالله - ولكنه في الأفهام؛ بل الأوهام السقيمة، أما دعوى أن الإمام أحمدَ استثنى ثلاثة أحاديث وقال: لا بد من تأويلها، فهي فرية عليه، افتراها الغزالي في"الإحياء"وفي"التفرقة"، ونفاها شيخ الإسلام سندًا ومتنًا [1] .
وحسبُ الأشاعرة في باب التأويل ما فتحوه على الإسلام من شرور بسببه؛ فإنهم لما أوَّلوا ما أولوا تبعتهم الباطنيةُ، واحتجتْ عليهم في تأويل الحلال والحرام، والصلاة والصوم والحج، والحشر والحساب، وما من حجةٍ يحتج بها الأشاعرةُ عليهم في الأحكام والآخرة، إلا احتج الباطنية عليهم بمثلها أو أقوى منها من واقع تأويلهم للصفات، وإلا فلماذا يكون تأويل الأشاعرة لعلو الله - الذي تقطع به العقولُ والفطر والشرائع - تنزيهًا وتوحيدًا، وتأويل الباطنية للبعث والحشر كفرًا وردَّة؟! [2]
(1) وشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - أعلمُ بمذهب أحمد من الغزالي وغيره.
(2) عن التأويل جملة انظر: كتاب ابن فورك كاملًا، و"الإنصاف": 56، 165، وغيرها، و"الإرشاد": فصل كامل له،"أساس التقديس": فصل كامل أيضًا، وعن الثلاثة الأحاديث انظر:"إحياء علوم الدين"، طبعة الشعب: 1/ 179، والرد في"مجموع الفتاوى"5/ 398، وانظر كذلك: 6/ 397، 580.
تنبيه حول التأويل: التأوُّل الذي يذكره الفقهاء في باب البغاة، وقد يَرِد في بعض كتب العقيدة، لا سيما في موضوع التكفير والاستحلال - هو غير التأويل المذكور هنا، إن كانت أكثر الكتب تسميه تأويلًا، وهو في الحقيقة تأوُّلٌ؛ لأن الفعل الماضي منه"تأوَّلَ".
فالتأول هو: وضعُ الدليل في غير موضعه باجتهاد أو شُبَه تنشأ من عدم فهم دلالة النص، وقد يكون المتأوِّل مجتهدًا مخطئًا فيعذر، وقد يكون متعسفًا متوهمًا فلا يعذر، وعلى كل حال يجب الكشف عن حاله، وتصحيح فهمه قبل الحكم عليه؛ ولهذا كان من مذهب السلف عدم تكفير المتأول حتى تقام عليه الحجة، مثلما حصل مع بعض الصحابة الذين شربوا الخمر في عهد عمر متأولين قوله - تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} الآية [المائدة: 93] ، ومثل هذا مَن أوَّل بعض الصفات عن حسن نية متأولًا قوله - تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء} [الشورى: 11] ، فهو مؤول متأول ولا يكفر؛ ولهذا لم يُطلِق السلف تكفير المخالفين في الصفات أو غيرها؛ لأن بعضهم أو كثيرًا منهم متأوِّلون، أما الباطنية فلا شكَّ في كفرهم؛ لأن تأويلهم ليس له أي شُبه؛ بل أرادوا هدم الإسلام عمدًا؛ بدليل أنهم لم يكتفوا بتأويل الأمور الاعتقادية، بل أولوا الأحكام العملية؛ كالصلاة والصوم والحج ... إلخ.