قال محمد أمان الجامي - رحمه الله - في كتابه"الصفات الإلهية"ص 58:
"وتقريرُنا بأن النقل مقدَّم على العقل، لا ينبغي أن يُفهَم منه أن السلف يُنكرون العقل والتوصُّل به إلى المعارف، والتفكير به في خلق السموات والأرض وفي الآيات الكونية الكثيرة، لا؛ ولكنهم لا يسلكون في استعمال العقل الطريقةَ التي سلكها علماءُ الكلام في الاستدلال بالعقل وحده، ومحاولة الاكتفاء به أحيانًا - لو استطاعوا - أو تقديسه، بحيث يقدِّمونه على كلام الله خالق العقل والعقلاء، وعلى سنة رسوله التي هي وحي الله؛ بل إن السلف من منهجهم لا يدعون التعارُض بين الدليلين؛ بل ينفُون هذا التعارض الذي يصطنعه علماء الكلام المتأثِّرون بفلسفة اليونان، علمًا بأن المسلك الذي سلكه علماء الكلام هو في الواقع مسلكُ الفلاسفة غير الإسلاميين الأصل، الذين لا يُثبتون النبوَّات، ولا يرون أن إرسال الرسل، وما جاؤوا به من نصوص الصفات ونصوص المعاد أنها حقائق ثابتة، فكان أقوى شيء عندهم في الاستدلال على إثبات الأمور"العقل"؛ ما أثبته العقلُ فهو الثابت، وما نفاه العقل فهو المنفي، فورَّثوا التركة لعلماء الكلام، أما المؤمنون الذين يؤمنون بالأنبياء، وبالكتب المنزلة عليهم وبما جاء فيها، ويؤمنون أن الرسل كُلِّفوا أن يبيِّنوا للناس ما أُنزل إليهم من ربِّهم: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} الآية [المائدة: 67] ، المؤمنون الذين يؤمنون هذا الإيمان، فلا يجوز لهم أن يُعرضوا عما جاءهم من ربِّهم من الكتاب والحِكمة، وعن بيان رسولهم ليلتمسوا الهدى في غيره، ويعتمدوا في إثبات الصفات على عقول الفلاسفة، أو عقولِ تلامذتهم المتأثِّرين بهم، ولو وصَفوها أنها أدلة عقلية قطعية، وبراهين يقينية، وهي في حقيقتها بضاعة غير"إسلامية"، وهم يعلمون من أين جاءت، ومتى جاءت، ومَن جاء بها، كما أشرنا آنفًا، ثم إنهم نصبوا العداء بينها وبين"الوحي"، فقد أغنى الله المؤمنين بكتابه المبين، وسنة نبيِّه الأمين، عن تكلُّف المتكلِّفين، ومن الوقوع في العنت معهم" [1] .
وبالاختصار: إن السلف إنما يقدِّمون الأدلة العقلية؛ إيمانًا منهم بأن الله أرسل الرسل، وأنزل الكتب من عنده، وكلَّفهم ببيان ما يحتاج إلى البيان (لأمرٍ له شأن) ، وهو أن ما جاء في هذه الكتب، وبلَّغتْه الرسل يُغني عن كل شيء، وأما غيره فلا يغني عنه، هذه النقطة هي"سر"
(1) راجع:"صون المنطق والكلام، عن فني المنطق والكلام"؛ للسيوطي 1/ 223، تحقيق د. سامي النشار، وسعاد علي عبدالرازق، مجمع البحوث الإسلامية.