الصفحة 27 من 57

و الرأي الجديد أول ما ينشأ يكون في رأس رجل واحد، فالذي يعتقده هو فرد - فرد ضد العالم أجمع - فإذا تناول هذا الفرد سيفًا و قام في وجه الدنيا فقلما و الله يضيع.

و أرى على العموم أن الحق ينشر نفسه بأية طريقة حسبما تقتضيه الحال، أولم تروا أن النصرانية كانت لا تأنف أن تستخدم السيف أحيانًا، و حسبكم ما فعل شارلمان بقبائل السكسون،

و أنا لا أحفل كان انتشار الحق بالسيف أم باللسان أو بأية آلة أخرى، فلندع الحقائق تنشر سلطانها بالخطابة أو بالصحافة أو بالنار، لندعها تكافح و تجاهد بأيديها و أرجلها

و أظافرها، فإنها لن تنهزم إلا ما كان يستحق أن يهزم، و ليس في طاقتها قط أن تقضي على ما هو خير منها، بل ما هو أحط و أدنى" [1] ."

و يقول غوستاف لوبون:"قد أثبت التاريخ أن الأديان لا تفرض بالقوة، و لم ينتشر الإسلام إذن بالسيف؛ بل انتشر بالدعوة وحدها، و بالدعوة وحدها اعتنقته الشعوب التي قهرت العرب مؤخرًا كالترك و المغول، و بلغ القرآن من الانتشار في الهند - التي لم يكن العرب فيها غير عابري سبيل - ما زاد عدد المسلمين إلى خمسين مليون نفس فيها .. و لم يكن الإسلام أقل انتشارًا في الصين التي لم يفتح العرب أي جزء منها قط، و سترى في فصل آخر سرعة الدعوة فيها، و يزيد عدد مسلميها على عشرين مليونا في الوقت الحاضر" [2] .

و يقول سير توماس أرنولد:"من الحق أن نقول أن غير المسلمين قد نعموا - بوجه الإجمال - في ظل الحكم الإسلامي بدرجة من التسامح لا نجد لها معادلًا في أوروبا ..."

لقد اجتذبت الدعوة المحمدية إلى أحضانها من الصليبيين عددا غير مذكورا حتى العهد الأول، و لم يقتصر ذلك على عامة النصارى، بل أن بعض أمرائهم و قادتهم انضموا أيضا إلى المسلمين حتى في انتصارات المسيحيين" [3] ."

و"إذا نظرنا إلى الحروب الصليبية من حيث أغراضها المباشرة التي دارت رحالها من أجلها قلنا إنها أخفقت لا محالة."

ذلك أنه بعد أن دامت هذه الحروب قرنين من الزمان بقيت بيت المقدس في أيدي المماليك،

(1) المرجع نفسه: ص (76 - 77) .

(2) حضارة العرب: غوستاف لوبون. الهيئة المصرية للكتاب: القاهرة. ط ، دت. ص (128، 129) .

(3) الدعوة إلى الإسلام: سير توماس أرنولد؛ تر: حسن إبراهيم حسن، عبد المجيد عابدين، إسماعيل النحراوى. مكتبة النهضة: القاهرة. ط (3) ،1971. ص 79.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت