و عكس ذا كان أيام عز المسلمين بنفوذهم العسكري و الحضاري، حين صار القوط النصارى و اليهود يعلمون صبيانهم اللغة العربية، و النصارى في مصر و الشام يتحاكمون بقوانين المسلمين.
فالهالة الحضارية تفرضها الهالة العسكرية و المادية فتنفذ للقلوب و تعدل الأفكار نحوها.
"و هذا الدين لم يكلف المسلمين إكراه غيرهم على اعتناق دينهم، إنما كلفهم:"
أولا: حماية المؤمنين حتى لا يفتنوا عن دينهم.
ثانيا: تحقيق العدالة الكبرى في الأرض، و تمتيع البشرية بهذه العدالة .. و هذا التكليف يقتضي المسلمين أن يكافحوا الظلم و البغي حيث كان.
و الإسلام في جهاد دائم .. لتحقيق كلمة الله في الأرض، أي لتحقيق النظام الصالح، و هو مكلف ألا يهادن قوة ظالمة على وجه الأرض، إلا ريثما يتجمع لكفاحها.
و حيثما كان الظلم، فالإسلام منتدب لرفعه، و دفعه، وقع هذا الظلم على المسلمين، أو على الذميين، أو على سواهم ممن لا يربطهم بالمسلمين عهد و لا اتفاق" [1] ."
و إن كان الجهاد ليس لإكراه الناس، فلا يحصر كذلك في: رد العدوان فقط لا غير.
كما حاول من تأثروا بضجيج المستشرقين، و تلمسوا من ذلك تلميع الإسلام، و سعوا
"لتأويل التاريخ الإسلامي ليتحمل هذا القول، و استدلوا بقوله تعالى (و قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلنكم و لا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) (البقرة:190 (."
و الآيات في القرءان لا يناقض بعضها البعض، فإن آيات القتال نزلت على مراحل.
و أما القول بأن الجهاد إنما شرع لرد العدوان فقط؛ فلم أجد قائلا به في كتب الفقه المختلفة، و لم يقل به أحد من الأئمة المتقدمين .. و لا يوجد في كتب التفاسير المتقدمة تحريم قتال الابتداء، بل لم يختلف المفسرون في جوازه، و إنما وقع الاختلاف في تحريم ابتداء القتال في الأشهر الحرم" [2] ."
و الجهاد شرع على مراتب [3] :
(1) السلام العالمي و الإسلام: سيد قطب. دار الشروق: القاهرة، ط (1) ، 1413. ص (130 - 133) .
(2) الحوار مع أهل الكتاب والسنة؛ أسسه ومناهجه: خالد بن عبد الله القاسم. دار المسلم: الرياض. ط (1) ،1414. ص (71 - 72) .
(3) افتراءات على الإسلام و المسلمين: أمير عبد العزيز. دار السلام: القاهرة. ط (1) ، 2002. ص (14 - 15) .