فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 66

المبحث الثالث: المقاربة الإبستمولوجية

يرى جاستون باشلار (G.Bachelard) (1884 - 1962 م) أن الحقيقة، في المجال العلمي، تعترضها مجموعة من العوائق الإبستمولوجية (المعرفية) كالظن، والخطأ، والوهم، والرأي. لذا، ينبغي التحرر من هذه الأخطاء والعوائق لبناء حقيقة علمية يقينية وصادقة. ومن ثم، فالحقيقة العلمية هي بمثابة خطأ تم تصحيحه علميا. وكل الحقائق العلمية، في وجودنا الكوني والمعرفي، هي عبارة عن أخطاء بالمفهوم الإيجابي للخطأ، لا بالمفهوم السلبي. إذ يأتي كل عالم ليصحح أخطاء سابقيه من الوجهة العلمية نظرية وتطبيقا. ومن ثم، فالتاريخ العلمي في الحقيقة هو تصحيح للأخطاء. كما أن العلم يتطور ويتقدم بتصحيح النظريات والتجارب العلمية السابقة كما يقول أيضا كارل بوبر (Karl Popper) . ومن ثم، فالحقيقة عند باشلار هي القائمة على الخطأ العلمي المصحح، حيث"يتم التوصل إلى الحقيقة العلمية عبر العودة إلى الأخطاء الماضية. أي: عبر عملية ندم ومراجعة فكريين. وفي الواقع، فالمعرفة العلمية هي معرفة تتم دوما ضد معرفة سابقة، وذلك بتقويض المعارف غير المصاغة صياغة جيدة، وبتخطي ما شكل، في النفس المفكرة، عائقا أمام عملية التعقل المعرفي."

إن العلم، من حيث حاجته إلى الاكتمال كما في مبدئه نفسه، يتعارض تعارضا مطلقا مع الرأي. وإذا حصل أن أعطى العلم الشرعية للرأي، فذلك لأسباب أخرى غير الأسباب التي يقوم عليها الرأي: لدرجة تسمح بالقول بأن الرأي، من الناحية المبدئية، هو دوما خاطئ.

الرأي يفكر تفكيرا ناقصا، بل لا يفكر: إنه يعبر عن حاجات معرفية. إن الرأي وهو يتناول الموضوعات من زاوية نفعها وفائدتها، يحرم على نفسه معرفتها. لذا لا يمكن أن نؤسس أي شيء على الرأي بل يجب أولا أن نقضي عليه. إنه العائق الأول الذي يتعين تجاوزه في مجال المعرفة العلمية." [1] "

وهكذا، يشتغل باشلار على الحقيقة والخطأ ضمن حقل المعرفة العلمية أو ما يسمى بالإبستمولوجيا. ومن ثم، يثبت باشلار أن الحقائق العلمية مبنية على تاريخ الأخطاء، وأن هذه الأخطاء تتقدم عبر صراع النظريات، وتصحيح بعضها البعض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت