الصورة أو الرسم المطبوع عليها، فصارت تتداول، بعدئذ، ليس بوصفها قطعا نقدية، بل بوصفها قطعا معدنية فقط." [1] "
وهكذا، ينكر نيتشه وجود أية حقيقة ما، مادامت ترتكز هذه الحقيقة على المبالغة اللغوية، والتهويل المجازي، والخوف من الموت. وهنا، إشارة واضحة إلى سخط نيتشه على واقعه المنحط، وتبرمه من القوانين والمعارف والقيم السائدة في مجتمعه الموبوء كينونة ووجودا وكونا.
وعليه، فلا يمكن إطلاقا القول مع نيتشه بأن الحقيقة منعدمة، وإلا أصبح هذا العالم عبثا وسخرية وعدما وتيها. وثمة حقيقتان أساسيتان: فمن جهة، هناك الحقيقة الربانية المطلقة (الحقيقة العليا) التي يتم إدراكها بالنص أولا، فالعقل ثانيا، ثم الإيمان والتسليم ثالثا. وهناك، من جهة أخرى، الحقيقة الدنيوية النسبية (الحقيقة السفلى) التي يتم إدراكها بالعقل والتجربة معا.
هذا، ويثبت ميشيل فوكو، في كتاباته الفلسفية، أن الحقيقة تمارس سلطتها على المجتمع بسبب طابعها الإكراهي، وقوتها الحجاجية والمؤسساتية. والمقصود من هذا أن الحقيقة سلطة ومصدرها السلطة. ومن ثم، فالحقيقة لا توجد خارج السلطة، ولا تخلو من السلطة. ومن هنا، فالحقيقة، في المجتمعات المعاصرة، تتميز بخمس صفات أساسية هي:
1 -إن الحقيقة مقصورة على شكل الخطاب العلمي، ومحصورة في المؤسسات التي تنتج هذا الخطاب العلمي؛
2 -إن الحقيقة خاضعة لنوع من التحريض الاقتصادي والسياسي الدائم؛
3 -إن الحقيقة هي موضوع نشر واستهلاك عبر أجهزة التربية أو الإعلام؛
4 -إن الحقيقة يتم إنتاجها ونقلها تحت مراقبة بعض الأجهزة السياسية أو الاقتصادية الكبرى، مثل: الجيش، والجامعة، والكتابة، ووسائل الاتصال الجماهيري؛