الكلام عن الربا يتضمن العديد من الأمور التي ترتبط به كبيان اللأموال التي يجري فيها، وعلة تحريم الربا وأنواع الربا، وتبايع الأموال الربوية، إلا أنه نظرًا لطبيعة البحث وتساوقًا مع مساره، فإننا نقصر الكلام هنا على ما يترتب على التعامل بالربا من فساد في النشاط الاقتصادي وتعارض ذلك مع الضوابط الشرعية، والقيم الأخلاقية التي توضح للناس معالم الكسب الحلال، وتحذرهم من الكسب بطريق الانتظار.
وعلى ضوء ما زخر به الفقه الإسلامي والتناول البحثي لعلماء الاقتصاد الإسلامي من رصد لهذه المفاسد، فإننا نشير إليها فيما يلي:
1 -استغلال القوي الغني للضعيف الفقير: فالأصل في المعاملات الربوية هو الحاجلة للمال، واستغلال حاجة الفرد بزيادة أصل الدين يكون ظلمًا، والظلم فضلًا عن تحريم الإسلام له فإن الفطرة السوية تأباه والعقل الرشيد يرفضه، فكرامة الإنسان ملازمة لإنسانيته وملاصقة لأصل نشأته، يقول تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم} (1) ، وبمقتضى ذلك لا يصح أن يكون الصراع على المصالح الخاصة سببًا للنيل من كرامة الإنسان، والاجتراء عليه باستغلاله والمساس بحقه في الحياة الكريمة، وذلك مما جعل من تحريم الإسلام للربا منهجًا فاضلًا، وتوجهًا صادقًا لتحقيق الأخوة البشرية، وإعطائها ما تستحق من تقدير ورعاية.
وتأسيسًا على ما تقدم فإن الفرد لا يعطي ربا إلا ما زاد عن حاجته من المال ويتحمل المحتاج عبء الزيادة الربوية، بينما يستفيد القادر المرابي من حاجة الطرف الآخر دون حقن وبذلك يكون الربا ضد الصدقة التي أوجبها الله على الأغنياء، فإن حاجة الفقير هي دين على الغني وعد أداء الغني للصدقة في هذه الحالة هو تفريط في حق من حقوق الله (2) .