تختلف العبادات في أساس تشريعها في النظام الإسلامي عن المعاملات، فبينما يكون الغرض من العبادات التعبد والتقرب إلى الله تعالى وفقًا للصور التي قيد الله بتها العبادات وحدد إطارها. نجد أن المعاملات يكون الغرض منها تحقيق مصالح العباد في المعاش ورفع الحرج عنهم بعيدًا عن الباطل والحرام، ولهذا كامن من مميزات الشريعة الإسلامية أنها تقوم على جلب المصالح ودرء المفاسد في كل زمان ومكان مصداقًا لقوله صلى لله عليه وسلم: (( لا ضرر ولا ضرار ) ) (1) .
وعلى ضوء ما جاء في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأصول الشريعة من معايير ثابتة وقواعد خاصة يُهتدى بها في تنظيم واستثمار المال واستثمار الجهود الإنسانية وهو ما يفهم منها أن النظام الإسلامي لم يصادر النشاط الاقتصادي كلية أو يبيح الكسب مطلقًا، بل قيدهما بقيود معينة تضمن تحقيق العدالة لكل الناس وتمنع الاستغلال ودفع الضرر عنهم، فلا يطقئ غني على فقير ولا كثير مال على قليله، ولا يستبد أصحاب النفوذ بغرض الكسب دون غيرهم من الناس وهذا عملًا بما يقرره الفقهاء من أن الأصل في المعاملات الصحة حتى يقوم دليل على البطلان والحرمة، فإن لحلا ما أحله الله والحرام ما حرّمه الله، وما سكت عنه فهو عفو.
وتأسيسًا على ما تقدم فإننا نعقد هذا البحث للكلم عما شاع في النشاط الاقتصادي من تعامل وتصرفات ضارة، وهو ما يتمثل في الاحتكار والربا والبيوع المنهي عنها.
ونفصل الكلام على هذه المفاسد فيما يلي:
تعريفه في اللغة: تدور معاني كلمة حر في اللغة حول الظلم في المعاملة وإساءة المعاشرة، والحبس والاستبداد والتربص والالتواء، والمضرة على الناس في معاملتهم ومعايشتهم (2) .
(1) المسند لأحمد بن حنبل ج 1، ص 313 - سنن البيهقي، ج 6، ص 156.
(2) لسان العرب لابن منظور، ج 2، ص 149 - المصباح المنير، ج 1، ص 472.