وقد حذر الإسلام من هذه الظاهرة لأضرارها الجسيمة على النشاط الاقتصادي وارتباطها بالتقلبات الاقتصادية، بأن الاكتناز يؤدي إلى فقد النقود لوظيفتها الأساسية كوسيلة للمبادلة، حيث يتم اقتنائها لذاتها بهدف تنمية الثروة والممتلكات الخاصة، مما يؤدي إلى نقص في عرض النقود عن الطلب عليها نتيجة لسحب مقدار منها من النشاط الاقتصادي، كما أن استخدام النقود كسلعة وتنميتها عن طريق الإقراض بفائدة أدى إلى أن أصح الاكتناز وسيلة لتنمية الثروة بدلًا من استخدام النقود لتمويل الاستثمار، ولذا يعتبر الاكتناز من الضوابط الشرعية المكملة لتحريم الربا، من حيث إعادة النقود لوظيفتها الطبيعية وعدم اقتنائها لذاتها بتوليد النقد من النقد أو الاحتفاظ به لذاته (1) .
وينبغي أن يفهم أن تحريم الاكتناز لا يعني أنه تحريم الإسلام لتملك المال، فالإسلام يحترم الملكية الخاصة، ويراها أكبر دافع للعمل واستثمار المال وتنميته، إلا أن الاكتناز يكون محرمًا لما يستتبعه من أضرار عديدة تؤدي إلى ارتكاب آثام مختلفة سواء بعدم تنمية المال واستثماره أو بالتعامل بالربا (2) .
ورغم أن الزكاة تفرض على الأرصدة النقدية بلا توظيف إذا توافرت شروط الزكاة فيها، فإن ذلك أمر غير مرغوب فيه شرعًا، لأن الموارد العاطلة تنطوي على صور من الضياع الاقتصادي لا يرضاه الإسلام، وفيه تعريض للنقود للتآكل وتدهور قيمتها، سواء من خلال الاستقطاع السنوي منها عبر فريضة الزكاة مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم:"من ولى يتيمًا له مال فليتجر فيه ولا يتركه حتى تأكله الصدقة" (3) . أو من خلال تأثرها بموجات التضخم العالمي مع ما يؤدي إليه الاكتناز من وقوع المجتمع في براثن الانكماش وتدهور مستوى النشاط الاقتصادي.
المبحث الرابع
غياب القيم الأخلاقية والضوابط الشرعية