وتأسيسًا على ذلك فإن التصرفات الاقتصادية الخاطئة التي تنطوي على توظيف الموارد في غير ما أحله الله أو تبديدها وإتلافها مما لا يسمح به الإسلام ولا يقره مسلكه العادل، ويعتبره نوعًا من الفساد في الأرض، يقول تعالى: {وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد} (1) .
والمتأمل في النشاط الاقتصادي في الوقت الحاضر يروعه تبدل الحال فيه وانفلات المأخذ الإسلامي في مساراته، وذلك لما سرى فيه من نبذ لتوجيهات الشريعة والتنكر لما حدث عليه ودعت إليه في مجال حفظ المال وصيانته من التبديد، وذلك باستثماره وتشغيله والتمكين له من وظيفته الأساسية، فهو قوام الحياة، والمحافظة عليه صيانة للحياة، يقول تعالى: {و لا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا، وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولًا معروفا} (2) .
ولما كان عدم استثمار المال وإغفال استخدامه وتشغيله يمثل أحد أنواع الفساد في النشاط الاقتصادي، فإننا نتناول الكلام عليه فيما يلي:
1 -الإسراف: ويراد به تجاوز الحد في الإنفاق الاستهلاكي مطلقًا، وبمعنى آخر فهو تجاوز الحد في استهلاك المباحات، والاستجابة لرغبات النفس التي لها أصل مشروع، مما يجعل الشخص يخرج عن حد الاعتدال والتوسط، وبما أن الدخل محدود فغالبًا ما يترتب على الإسراف في جانب التقتير في آخر (3) ، فيكون ذلك جهلًا بمقادير الحقوق (4) .
والإسراف محرم في الإسلام لنفس الأسباب التي حرم من أجلها التقتير لما فيها من ظلم للنفس وتحطيم لقدراتها وإن اختلفت الوسيلة، كما أن كليهما إهدار للموارد الاقتصادية، وإذا كان التقتير يؤدي إلى الكساد فإن الإسراف يؤدي إلى التضخم وكلاهما شر يجب تجنبهن يقول تعالى: {فكلوا واشربوا ولا تسرفوا} (5) . ويقول صلى الله عليه وسلم:"كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة" (6) .