وقبل أن يستفصلوا عن حالها وحال الطفل، ولم يسألوا: لربما تحمل طفلا لأحد الناس من أقاربها، إلا أن التهمة جاءت مباشرة وبدون أدنى ورع ولا تقوى:"قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا" (مريم: 27) . والشيء الفري: الأمر العظيم.
أنت أخت الرجل الصالح هارون، وأبوك التقي وأمك الطاهرة.
"يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا" (مريم: 28) .
وبعض العلماء رجح أنه أخو موسى عليه السلام حيث كانوا يتشبهون بالصالحين، ولكن الراجح رأي الجمهور أنه أخ حقيقي لمريم وقد ورد في ذلك حديث صحيح:
عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ:"لَمَّا قَدِمْتُ نَجْرَانَ سَأَلُونِى، فَقَالُوا: إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ: يَا أُخْتَ هَارُونَ وَمُوسَى قَبْلَ عِيسَى بِكَذَا وَكَذَا."
فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ.
فَقَالَ:"إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ بِأَنْبِيَائِهِمْ وَالصَّالِحِينَ قَبْلَهُمْ".
رواه مسلم: 5721.
وأمام هذا الاتهام فإن مريم تشير إلى الطفل إشارة الواثق من وعد ربها، ولأنه تكلم معها من قبل.
"فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ."
قَالُوا: كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا؟ (مريم: 29) .
وهنا تظهر المعجزة الإلهية لعيسى عليه الصلاة والسلام، ويفتح القوم عيونهم مبهورين مما يشاهدونه، وسيطرت المفاجأة على كيانهم، لأن الأمر حقيقة لا خيال، لا مجال للتكذيب، فالأمر أمامهم.