وهكذا أصبحت كل تفاصيل البشارة عند مريم واضحة المعالم، إلا أن هذا لم يمنع مريم رضي الله عنها من الدهشة والاستغراب أن تلد بدون رجل.
فمريم شابة تعرف أن المرأة التي تلد لا بد لها وأن تعاشر رجلا، سواء أكان بالحرام أم بالحلال، ولم يكن منها أن تزوجت، وحاشاها أن ترتكب الفاحشة:"قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا" (مريم: 20) .
وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ: والمراد هنا بالمعاشرة الزوجية الحلال.
وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا: لم أكن زانية، وقد شهد لها الحق بطهارة فرجها، فهي المحصنة الطاهرة، بل هي أطهر نساء العالمين.
قال سبحانه:"وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ" (الأنبياء: 91) .
وقال أيضا:"وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ" (التحريم: 12) .
أزال جبريل عليه الصلاة والسلام دهشتها، وأخبرها أن الأمر مفروغ منه غير خاضع للنقاش، لأن هذا الولد سيكون آية من الله لعباده.
قال سبحانه على لسان جبريل عليه السلام:"قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا" (مريم: 21) .
فالأمر على الله سهل ميسور لأن أمره بين الكاف والنون، والغرض من خلقه: آية للناس.
وأمره مقضي: مفروغ منه.