وذهب بعض العلماء ومنهم ابن عباس إلى أن الحمل كان في ساعات، بدليل الفاء التي تدل على التعقيب الفوري: فحملته، فانتبذت، فأجاءها، كلها متعاقبة.
ومن جملة ما استدل به الفريق الثاني: قراءة غير متواترة، حيث قرأ البعض كلمة (فأجاءها) : فاجأها، بمعنى: الولادة في غير موضعها وفي غير وقتها، وإنما جاءت مفاجأة.
ولا يؤثر الخلاف في مثل هذه المسائل، والذي أميل إليه: أنه كان حملا طبيعيا لأنه لا يوجد دليل صحيح صريح يدل على غير هذا.
ولما جاء المخاض مريم اضطرها إلى القدوم إلى جذع النخلة، وأكرهها على ذلك، وهذا ما أشار إليه قوله تعالى:"فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ" (مريم: 23) .
ولا شك أن هذا الجذع لنخلة حية لها ظل يؤوي مريم رضي الله عنها، لأنها أكلت من ثمارها.
وفي هذه اللحظات الحرجة تتمنى مريم الموت لعظم البلاء، وشدة الفتنة التي ستقاسيها بعد هذه الولادة.
فالألم الجسدي رغم قساوته (لأن العذراء تكون خائفة في أول مخاض) ، يزول بالولادة، وتبقى الآلام النفسية القاسية حين تواجه المجتمع.
قال سبحانه على لسانها:"قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا" (مريم: 23) .
ومعنى نسيا منسيا: لم أخلق.
وتلد مريم رضي الله عنها في بيت لحم دون تحديد المكان بالضبط، لا كما يزعم النصارى في كنيسة المهد.
والدليل على أن الولادة كانت في بيت لحم:
حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
أتيت بدابة فوق الحمار ودون البغل، خطوها عند منتهى طرفها، فركبت ومعي جبريل عليه السلام، فسرت فقال: انزل فصل ففعلت.