فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 145

يصرفه كيف يشاء، كما يقتاد من أمسك بناصيته شديد القوى؛ لا يستطيع إلا الانقياد له. ثم أتبع ذلك بإقراره له بنفاذ حكمه فيه، وجريانه عليه، شاء أم أبى، وإذا حكم فيه بحكم لم يستطع غيره رده أبدا، وهذا اعتراف لربه بكمال القدرة عليه، واعتراف من نفسه بغاية العجز والضعف، وكأنه قال:"أنا عبد ضعيف مسكين، يحكم فيه قوي قاهر غالب، وإذا حكم فيه بحكم مضى حكمه فيه ولابد". ثم أتبع ذلك باعترافه بأن كل حكم وكل مصيبة ينفذها فيه هذا الحاكم، فهو عدل محض بمشيئته؛ لا جور فيها ولا ظلم بوجه من الوجوه، فقال: «ماض في حكمك، عدل في قضاءك» ، وهذا يعم جميع أقضيته سبحانه في عبده" [1] ، فمن كان هذا إيمانه ويقينه، وصدق توكله ولجوئه إلى خالقه، وتسليمه بقضائه وقدره، مع فعل الأسباب المشروعة، فما ظنك بحاله؟ وكيف ستكون نفسيته؟ إنه وبلا شك سيعيش هنيئا، مدافعا للهموم والغموم والأحزان، وسعيدا باتباعه لذكر الله، في سعة وانشراح، وتأمل قول الله تعالى في وصف المعرضين عن ذكر الله: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} [طه: 124 - 126] ."

(1) شفاء العليل، 2/ 752، 753.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت