ومن هنا غلط النحاة أو بعض النحاة الذي قال: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ. الرَّحْمَنِ هنا لا يقع صفةً للفظ الجلالة هكذا يقول ابن هشام وغيره، بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ إعراب الرَّحْمَن ما هو؟ قالوا: هذا بدل، ولا يمكن أن يقع نعتًا، لماذا؟ لأنه علم والأعلام لا يُنعت بها، وإنما ينعت بالصفات وهذا صحيح، لكن نقول: لماذا حصرتم الرحمن في كونه دالًا على الذات فحسب، وإنما هو دال على الذات فباعتبار كونه متضمنًا لصفة وقع صفةً للفظ الجلالة، بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ، نقول: الرحمن هذا نعت لـ الله، كيف جاز أن يكون نعتًا والأعلام لا ينعت بها؟ نقول: هذا للأعلام التي خاصة بالمخلوقين، لأن أعلام الرب جل وعلا مخالفة لذلك، وإنما هي تدل على ذات وصفة، فمن حيث دلالتها على الصفة يصح أن تقع نعتًا فيُنعت بها، إذًا القاعدة الكبرى عند النحاة التي تُذكر في باب المعارف بعد النعت الأعلام لا يُنعت بها، الأعلام - هذه قاعدة - نقول نعم نُسلم هذا أين؟ في أعلام المخلوقين، وأما أعلام الرب جل وعلا، لا، فهي خارجة عن هذه القاعدة لأنها متضمنة لصفات فهي صفات، فمن حيث كونها صفات صح النعت بها. فقولهم: الرَّحْمَنِ. هذا لا يصح أن يكون نعتًا بناءً على أنه علم وليس متضمنًا لصفة وهو قول باطل يُرَد، وإذا ما قلنا بأنها أعلام وأوصاف قد يقول قائل: ما الدليل هذا الكلام السابق كله نظري، عليم، وذات وعلم .. إلى آخره، ما الدليل على أنها أعلام وأوصاف؟ نحتاج إلى دليل شرعي.
أولًا: لدلالة القرآن عليه. دل القرآن على ذلك كما في قوله تعالى: {وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} مع قوله: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ} [الكهف: 58] . قال: {وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} . وفي موضع قال: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ} . ما المراد بـ {ذُو الرَّحْمَةِ} ؟ يعني صاحب الرحمة، إذًا الرحيم يدل على ماذا؟ على صاحب الرحمة، صاحب هو المراد به الذات، والرحمة هي الوصف، إذًا جاء لفظ الرحيم مُفَسَّرًا في آية أخرى مقرونًا مع الاسم نفسه الغفور الغفُور وفسر بإضافته إلى صاحب وهي من الأسماء الستة الدالة على هذا المعنى وهو مشتق من حيث المعنى ذو هذا مما يوصف به لأنه في معنى المشتق.
من ذاك ذو إن صحبةً أبان
يعني: أفهم صحبة، والصحبة هذا وصف، ولذلك تأتي بمعنى صاحب إنه لذو فضل، يعني لصاحب فضل.
إذًا هذه الآية دلت على أن أعلام الرب جل وعلا هي دالة على ذات وصفة، إذ جاء الرحيم في موضع بالْعَلَمِيّة وجاء تفسيره بموضع آخر ذو الرحمة، فدل على أنه هو عينه، فإن الآية الثانية دلت على أن الرحيم هو المتصف بالرحمة.