إذًا (وَهُوَ الْغَنِيُّ بِذَاتِهِ) ، (بِذَاتِهِ) يعني بنفسه، الذات بمعنى النفس، وسيأتي أن النفس هذا قدر زائد على الذات أم لا، [فهو غني] فهو غِنًى ذاتيٌّ (بِذَاتِهِ) ، أي: بنفسه دون حاجة إلى الغير، [يعني لم يكن ثَمَّ غير جعل الله تعالى ذاتيًّا غنيًّا] [1] لم يكن ثَمَّ غير الله تعالى جعله غنيًّا غير محتاج إلى غيره، فهو غنى ذاتيٌّ فله الغنى المطلق فلا يحتاج إلى شيء، فللخالق مطلق الغنى وكماله، وللمخلوق مطلق الفقر إلى الله وكماله، (سُبْحَانَهُ ** جَلَّ ثَنَاؤُهُ تَعَالى شَأنُهُ) ، (سُبْحَانَهُ) مرّ معنا مصدر مثل غفران يلزم الإضافة، ويراد به التسبيح التنزيه، (سُبْحَانَهُ) كما قال تعالى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ} [الروم: 17] ، {سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا} [البقرة: 32] . (سُبْحَانَهُ) وبحمده تنزيهًا له وتحميدًا، (جَلَّ) أي عظم، (ثَنَاؤُهُ) قالوا: أثنى عليه خيرًا على التقييد والاسم الثناء وهو ما يذكر في محامد الناس فيثنى حالًا فحالًا ذكره يقال أثنى عليه، (تَعَالى) أي تعاظم، (شَأنُهُ) الشأن الأمر والحال، الذي يتفق ويصلح ولا يقال إلا فيما يعظم من الأحوال والأمور، قال تعالى: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن: 29] . (تَعَالى شَأنُهُ) تعظيمًا له وتمجيدًا، فالله تعالى ذكر اسمه الغني وذكر ما يتعلق بذلك في آيات كثيرة يخبر تعالى بكمال غناه عن خلقه، وأنه لا يزيد في غناه طاعة من أطاع ولا ينقص معصية من عصى، وأنه لم يخلق الخلق لحاجة إليهم، وأنه لو شاء لم يخلقهم فهو مستغنٍ عنهم، ولو شاء لذهب بهم وجاء بغيرهم، ويخبر أنهم كلهم فقراء إليه لا غنى لهم عنه في نَفَسٍ من الأَنْفَاس وهم يعلمون ذلك من أنفسهم وأنهم لم يكونوا موجدين حتى أوجدهم، ولا قدرة لهم على شيء من أنفسهم ولا غيرها إلا بما أخبرهم عليه الغني الحميد الفعال لما يريد.
ثم قال رحمه الله تعالى:
وكُلُّ شَيْءٍ رِزْقُهُ عَليْهِ ... وَكُلُّنَا مُفْتَقِرٌ إِلَيْهِ
(1) سبق.