قال الزجاجي: الْغَنِيُّ في كلام العرب الذي ليس بمحتاجٍ إلى غيره. وكذلك الله ليس بمحتاجٍ إلى أحدٍ جل وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا. كما قال: {إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت: 6] . وكلّ الخلق إليه جل اسمه محتاجٌ كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} . الله عز وجل ليس بمحتاجٍ إلى أحدٍ فيما خلق ويخلق، ودَبَّرَ ويُدَبِّرُ، ويُعْطِي ويَرزق، ويَقْضِي ويُمْضِي، لا رادّ لأمره .. إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى. والزجاج وهو إمامٌ في اللغة فسَّرّ الغني بما عُرف في لسان العرب، وعليه القاعدة التي ينبغي العناية بها.
أن يفهم مدلول الأسماء والصفات على ما جاء في لسان العرب.
وقال الخطابي: الغني هو الذي استغنى عن الخلق. وهو كذلك ليس بمحتاج إلى أحد يعني ماذا؟ يعني أنه مستغنٍ. وجاء النص بذلك، هو الذي استغنى عن الخلق وعن نصرتهم وتأييدهم لملكه، فليست به حاجةٌ إليهم وهم إليه فقراء محتاجون كما وصف نفسه تعالى. فقال عزَّ من قائل: {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء} [محمد: 38] . كلام العلماء يدور حول ما ذكرنا فيما سبق أن الغني هو الذي ليس بمحتاجٍ إلى أحدٍ البتة؛ لأنه مستغنٍ عن الخلق مطلقًا.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
وَهُوَ الغَنِيُّ بِذَاتِهِ فَغِنَاهُ ذَا ... تِيٌّ لَهُ كَالْجُودِ وَالإِحْسَانِ
يعني الغني يدل على ذاتٍ وصفة، أليس كذلك؟ وهذا شأن الأسماء كما نقول: العليم، السميع. يدل على ذاتٍ وصفةٍ، [فالذات دل عليه بـ أو] الذات والصفة معًا دل عليها بدلالة المطابقة، حينئذٍ يدل على شيئين، ولا نقول هنا بأن الذات هي عين الصفة أو الصفة عين الذات، بل الصفةُ قدرٌ زائدٌ على مجرد الذات، حينئذٍ لا نقول: بأنه يسمع بذاته - كما يقول أهل البدع -، ولا نقول: يعلم بذاته ولا يبصر بذاته، لأن ذلك فيه نفيٌ للصفات. وإنما نقول: السمع صفةٌ وهي قدرٌ زائدٌ على مجرد الذات، والبصر صفةٌ وهي قدرٌ زائدٌ على مجرد الذات، وكذلك هنا الغني دل على ذاتٍ وصفة وهي كونه مستغنيًا عن غيره. وإذا كان كذلك حينئذٍ الاستغناء هو لازمٌ للذات، ولذلك هذه صفةٌ تعبر صفةً فعلية أو ذاتية؟ صفةً ذاتية، لماذا؟ لأنه لا ينفك عنها بحالٍ من الأحوال، ليست متعلقةً بالمشيئة، حينئذٍ لو كانت متعلقة بالمشيئة والإرادة لقلنا ماذا؟ صفةٌ فعلية. وليس الأمر كذلك، حينئذٍ صار هذا الوصف له ذات (وَهُوَ الْغَنِيُّ بِذَاتِهِ سُبْحَانَهُ) يعني ليس [أحدًا أو ليس] أحدٌ جعله مستغنيًا وإنما بذاته، كما أنه يعلم والعلم صفةٌ ذاتية له كذلك هو مستغنٍ عن خلقه أجمعين والاستغناء صفةٌ ذاتيةٌ له.
وَهُوَ الغَنِيُّ بِذَاتِهِ فَغِنَاهُ ذَا ... تِيٌّ لَهُ كَالْجُودِ وَالإِحْسَانِ
كما أن الجود صفةٌ ذاتيةٌ له والإحسان كذلك وهو محسنٌ، فهو صفةٌ ذاتيةٌ له حينئذٍ نقول: صفةٌ ذاتيةٌ باعتبار الأصل، باعتبار الآحاد هذا ينظر فيها.