الصفحة 220 من 439

قال ابن القيم في (( طريق الهجرتين ) )كلام يتعلق بالغني وفقر الخلق إليه وهو في أوائل الكتاب ذكر فصلًا جميلًا وهو طويل أخذنا منه شيئًا نحتاجه، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فصل: في أن الله هو الغني المطلق والخلق فقراء محتاجون إليه.

ثَمَّ شيئان متقابلان: غنى، وضده الفقر، والفقر وضده ونقيضه الغنى، فالله تعالى غني بذاته، والخلق فقراء بذواتهم، فالفقر وصف ذاتي لكل مخلوق جمادات وغيرهم ليس خاصًا بالإنسان، وكما أن الغنى وصف ذاتي للبارئ جل وعلا.

قال ابن القيم: فصل: في أن الله هو الغني المطلق، والخلق فقراء محتاجون إليه، قال الله سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر: 15] . بين سبحانه في هذه الآية أن فقر العباد إليه أمر ذاتي لهم لا ينفك عنهم كما أن كونه غنيًّا حميدًا أمر ذاتي له، فغناه وحمده ثابت له لذاته لا لأمر أوجبه.

يعني: لا لأمر خارج عنه، لا لكون الخلق محتاجين إليه فصار غنيًا، لا، إنما لذاته، ولذلك لو لم يكن أحد من الخلق موجودًا فالله غني، أليس كذلك؟ فهو مستغنٍ جل وعلا عن الخلق ولو لم يخلقهم حتى قبل أن يخلق الخلق فهو مستغنٍ عن الخلق.

قال هنا: فغناه وحمده ثابت لذاته، لا لأمر أوجبه، وفقر من سواه إليه ثابت لذاته، لا لأمر أوجبه. فهما صفتان متقابلتان، فلا يُعَلَّلُ هذا الفقر بحدوث ولا إنكار، يعني: لكون المخلوق حادثًا أو مفتقرًا، لا، لا يُعَلَّلُ، لماذا؟ لأنه ذاتي، ولذلك عند المناطقة الفرق بين الذاتيّ والعرضيّ: أن الذاتيّ لا يُعلَّل، يعني لا تُذكر له علة، والعرضيّ يُعَلَّل، مريض لأنه، يمشي لأنه، يضحك لأنه ... إلى آخره، فحينئذٍ تأتي بعلة، وأما كونه إنسانًا كونه ناطقًا كونه يفكر هذا لا يُعلّل هذا الأصل فيه، حينئذٍ ما كان ذاتيًّا لا تُذكر له علة لا يُعلَّل، هذا من الفوارق بين الذاتيّ والعرضيّ، التقسيم عندهم للكليّ: ذاتيّ وعرضيّ. ولذلك قال: فلا يُعلَّل هذا الفقر بحدوث ولا إمكان، بل هو ذاتي للفقير، فحاجة العبد إلى ربه لذاته لا لعلة أوجبت تلك الحاجة كما أن غنى الرب سبحانه لذاته لا لأمر أوجب غناه، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى - والكلام لابن القيم:

والفقر لي وصف ذات لازم أبدًا ... كما الغنى أبدًا وصف له ذاتي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت