الصفحة 221 من 439

فهما متقابلان، هذه صفة للخالق جل وعلا، وهو أنه غني ليس بمحتاج إلى أحد، وأنه مستغنٍ عن الخلق وهذا وصف ذاتي لا ينفك عنه بحال من الأحوال، ولا نقول: لأنه مستغنٍ عن الخلق لأن الخلق إلى آخرهم محتاجون إليه، لا نعلِّله وإنما لذاته دون نظر إلى ماذا؟ إلى الخلق، والفقر لي - وهذا كلام ابن تيمية - وصف ذات لازم أبدًا، لا ينفك عن الإنسان، كما الغنى أبدًا وصف له ذاتي، ولذلك الإنسان لو استغنى بماله وملكه .. إلى آخره فهو فقير، أليس كذلك؟ تصفه بأنه فقير، يعني هذا المال كيف يحفظه؟ قد يزول في لحظة واحدة، ما الذي يحفظه؟ الله عز وجل. قال: فالخلق فقير محتاج إلى ربه بالذات لا بعلة، وكل ما يذكر ويقرر من أسباب الفقر والحاجة فهي أدلة على الفقر والحاجة لا علل لذلك، إذ ما بالذات لا يعلل. هكذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى. هذا مصطلح المناطقة: ما بالذات لا يعلل. فالفقير بذاته محتاج إلى الغني بذاته، فما يذكر من إمثال وحدوث واحتيال فهي أدلة على الفقر لا أسباب له.

والمقصود أنه سبحانه أخبر عن حقيقة العباد وذواتهم بأنها فقيرة إليه عز وجل، كما أخبر عن ذاته المقدسة وحقيقته أنه غني حميد، فالفقر المطلق من كل وجه ثابت لذواتهم وحقائقهم من حيث هي، والغنى المطلق من كل وجه ثابت لذاته تعالى وحقيقته من حيث هي، فيستحيل أن يكون العبد إلا فقيرًا، لا يمكن أن ينفك عنه البتة، ولو كان من أغنى الناس، ولو ادَّعَى ما ادَّعَى من كونه لا يحتاج إلى غيره البتة، ويستحيل أن يكون الرب سبحانه إلا غنيًّا كما أنه يستحيل أن يكون العبد إلا عبدًا والرب إلا ربًّا، لأن هذا وصف للبارئ جل وعلا وهذا وصف للمخلوق، إذا عُرِفَ هذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: فالفقر فقران:

فقر اضطراري وهو: فقر عام لا خروج لبَرٍّ ولا فاجر عنه، وهذا الفقر لا يقتضي مدحًا ولا ذمًا ولا ثوابًا ولا عقابًا، بل هو بمنزلة كون المخلوق مخلوقًا ومصنوعًا.

كونه مخلوقًا هذا يدل على فقره كل مخلوق هذا فقر عام.

والفقر الثاني فقر اختياري وهو: نتيجة علمين شريفين، هذا الفقر الذي يمتاز به المؤمن عن غيره، فقر إلى معرفة ربه جل وعلا هو نتيجة علمين شريفين:

أحدهما: معرفة العبد بربه.

والثاني: معرفته بنفسه.

لأن الغنى وصف للباري جل وعلا، فلا بد أن يعرف ربه، والفقر وصف له هو فلا بد أن يعرف نفسه، حينئذٍ لا بد من العلمين، ولا بد من المعرفتين:

-معرفة العبد بربه كمال صفاته وجميل إحسانه.

-ومعرفة العبد بنفسه بظلمه ونحو ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت