الصفحة 222 من 439

فمتى حصلت له هاتان المعرفتان أنتج له فقرًا هو عين غناه، يعني يستغني بخالقه جل وعلا هو عين غناه وعنوان فلاحه وسعادته وتفاوت الناس في هذا الفقر بحسب تفاوتهم في هاتين المعرفتين، فمن عرف ربه بالغنى المطلق عرف نفسه بالفقر المطلق، ومن عرف ربه بالقدرة التامة عرف نفسه بالعجز التام، ومن عرف ربه بالعز التام عرف نفسه بالمسكنة التامة، ومن عرف ربه بالعلم التام والحكمة عرف نفسه بالجهل، والله سبحانه أخرج العبد من بطن أمه لا يعلم شيئًا ولا يقدر على شيء، انظر المقابلة هنا بين ماذا وماذا؟ بين صفات الباري جل وعلا وبين صفات المخلوق، ولذلك علم الأسماء والصفات هذا علم جليل يُورث في القلب ما قد لا يورثه غيره، فعلمك بكمال الله جل وعلا وعلمك بنقصك أنت يورث عندك هذا الغنى الذي أراد ابن القيم أن يصل إليه هنا، فالله سبحانه أخرج العبد من بطن أمه لا يعلم شيئًا ولا يقدر على شيء، ولا يملك شيئًا ولا يقدر على عطاء ولا منع ولا ضُرٍّ ولا نفع ولا شيءَ البتة، فكان فقره في تلك الحال إلى ما به كماله أمرًا مشهودًا محسوسًا لكل أحد، ومعلوم أن هذا له من لوازم ذاته وما بالذات دائم بدوامها. قال: وهو لم ينتقل من هذه الرتبة إلى رتبة الربوبية والغنى، يعني لا يمكن أن ينفك عن كونه مفتقرًا إلى الباري جل وعلا إلا إذا انفك عن هذه الصفة إلى صفة الربوبية وهذا محال، لأنهما متقابلان خالق ومخلوق، خالق بصفات الكمال، مخلوق بصفات النقص، لا يمكن أن ينفك المخلوق عن صفات النقص إلا إذا انتقل من رتبة المخلوق إلى رتبة الخالق وهذا محال في شأنه، ولذلك قال: وهو لم ينتقل من هذه الرتبة إلى رتبة الربوبية والغنى، بل لم يزل عبدًا فقيرًا بذاته إلى بارئه وفاطره. هذا الأصل فيه أنه خُلِقَ لا يعلم ولا يملك إلى آخر ما ذكره، فلما أسبغ عليه نعمته وأفاض عليه رحمته وساق إليه أسباب كمال وجوده ظاهرًا وباطنًا وخلع عليه ملابس إنعامه وجعل له السمع والبصر والفؤاد، وعلمه وأقدره وصرَّفه وحرَّكه ومكَّنه من استخدام بني جنسٍ وسخر له الخيل والإبل، وسلَّطه على دواب الماء، واستنزال الطير من الهواء وقهر الوحش العادية، وحفر الأنهار، وغرس الأشجار، وسقي الأرض، وجعلية البناء والتحيّل على مصالحه، والتحرز والتحفظ لما يزيل هذا كله من تعليم الباري جل وعلا للإنسان، فهو الذي مكنه، وهو الذي علمه، وهو الذي عرَّفه، وهو الذي أزال ما قد يكون عارضًا بينه وبين هذه المسخرات. لما كان كذلك ظن المسكين أن له نصيبًا من الملك، يعني: لما جاءه المال وعرف وتعلم .. إلى آخره ظن ماذا؟ صار له إعجاب بنفسه، ظن المسكين أن له نصيبًا من الملك وادَّعَى لنفسه مُلْكًا مع الله تعالى ورأى نفسه بغير تلك العين الأولى، ونسي ما كان فيه من حالة الإعدام والفقر والحاجة حتى كأنه لم يكن هو ذلك الفقير المحتاج، بل كأن ذلك شخصًا آخر غيره ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت