إلى أن قال: ومنها هنا خُذِلَ من خُذِل، ووُفِّقَ من وُفِّقَ فحُجِبَ المخذول عن حقيقته ونسي نفسه فنَسِيَ فقره وحاجته وضرورته إلى ربه، فطغى وطغى وعتا فحقت عليه الشقوة، قال تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6، 7] استغنى عن باريه، وقال: {فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل: 5] إذًا خُلِقَ فقيرًا معدومًا لا يعلم، ثم مكَّنه الله تعالى بأسباب العلم والقدرة ومكَّنَه وعلمه وأعطاه ما لم يُعْطِ غيره من الموجودات كالجمادات، ثم حصل له غرور بأنه قد حصل على ما قد حصل وكأنه قد صار له نصيب من الملك. قال ابن القيم: فأكمل الخلق، من هم؟ فأكمل الخلق أكملهم عبودية، وأعظهم شهودًا لفقره وضرورته وحاجته إلى ربه، وعدم استغنائه عنه طرفة عين، وهو النبي - صلى الله عليه وسلم -، أكمل الخلق هو أكملهم في هذه الصفات، وهذا ما يسمى بالشهود والفناء عند بعضهم، بمعنى أنه لا يرى ما عنده إلا أنه من عند الله تعالى، وليس له حظ فيه ونصيبٌ البتة، ولهذا كان من دعائه - صلى الله عليه وسلم - «أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا إلى أحدٍ من خلقك» . «ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين» . وهذا ما يسمى بالتوفيق، والخذلان أن يخلِّي الله عز وجل بين العبد وبين هواه وهوى نفسه، والتوفيق ألا يخلي بينه وبين النفس. هكذا حكا الإجماع ابن القيم رحمه الله تعالى في (( مدارج السالكين ) )أن التوفيق بإجماع أهل المعرفة ألا يخلي الله تعالى بينك وبين نفسك. يعني ألا تكون النفس هي قائدة، لأنها إذا كانت قائدة فالنفس الأصل فيها ماذا؟ أنها أمارة بالسوء فهلك، وأما إذا كان مرده إلى ارتفاع الوحيين فوفقه الله تعالى لذلك، فحينئذٍ حصل له التوفيق، ولذلك من دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم: «ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين» . الإنسان إذا وكل إلى لنفسه خذل، و (كان يدعو: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» . هذا النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلم - صلى الله عليه وسلم - أن قلبه بيد الرحمن عز وجل لا يملك منه شيئًا، وأن الله سبحانه يُصَرِّفه كيف يشاء، وهذا معنى الفقر هنا، النظر في مثل هذه المسائل هو تحقيق لهذا الفقر. قال هنا: وأنا الله سبحانه يصرفه كيف كما يشاء، ولذلك قال: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» . فيعلم أن الله تعالى هو الذي بيده القلوب وهو الذي يثبته إن شاء أزاغه وإن شاء ثبته. يقول ابن القيم: كيف وهو يتلو قوله تعالى - يعني: كيف لا يدعو بهذا الدعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يتلو قوله تعالى: {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} [الإسراء: 74] . يعني: لولا التثبيت من الله تعالى لكان ثَمَّ ما يوافق الفطرة من الميل ونحو ذلك، لذلك الأصل في الأنبياء أنهم بشر وإن كانوا ليس كالبشر كسائر البشر، فتأمل قوله تعالى في الآية - قول ابن القيم - فتأمل قوله تعالى في الآية: {أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ} .