يعني لا إلى غيره، {أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ} ، {أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ} هذا فيه حصر أو لا؟ فيه حصر تعريف الجزئين، {أَنْتُمُ} مبتدأ وهو معرفة، و {الْفُقَرَاءُ} هذا خبر وهو معرفة وفيه حصر، والمتعلق بالخبر داخل في المحصور، لأن {إِلَى اللَّهِ} هذا متعلق بالفقراء، لأن الفقراء جمع فقير، وفقير هذا فَعِيل ويتعلق به الجار والمجرور، حينئذٍ {أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ} لا إلى غيره، كيف أخذنا هذا الوزن؟ نقول: من تعريف الجزأين، وتعريف الجزأين عند كثير من أهل البيان أنه من صيغ الحصر {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: 2] ، {أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ} تعلق الفقر إليه باسم الله دون اسم الربوبية، يعني ما قال أنتم الفقراء إلى ربي، وإنما قال: {أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ} . علَّق الفقر هنا بماذا؟ باسم الألوهية وهو الله، والله كما مر معنا: عَلَمٌ على الباري جل وعلا دال على ذات وصفة على الصحيح. بخلاف من قال: إنه جامد. يعني: لا يدل إلا على الذات، وإنما يدل على ذات وصفة، ما هي هذه الصفة؟ الألوهية كونه مألوهًا معبودًا كونه مستحقًا للعبادة، حينئذٍ ذاتٍ وصفةٍ وهذه الصفة صفة ذاتية، ذات وصفة، كما أن الرحمن دال على ذات وصفة، ذات وصفة هي الرحمة، هنا قال: {أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ} . علَّقه باسم الإلوهية ولم يعلقه باسم الربوبية ليُؤذن بنوعي الفقر، يعني مر معنا أن الفقر نوعان: عام، وخاص.
العام هذا يشترك فيه الكافر والمؤمن، الأول من الجمادات.
والخاص هذا خاص بالمؤمنين.
فلو قال: أنتم الفقراء إلى ربكم. اختص بالنوع الأول وهو العام، لأن الربوبية هي التي تجمع، والألوهية هي التي تفرق، صحيح؟ الربوبية تجمع، دخل فيها الكافر والمؤمن، البر والفاجر، وأما الألوهية فهي التي تُفَرِّق بين المؤمن وغيره، حينئذٍ لو قال: أنتم الفقراء إلى ربكم. لدلّ ماذا؟ على أن الفقر المراد به هنا الفقر العام الذي هو يستوي فيه المؤمن والكافر، وليس الأمر كذلك، وإنما يجمع الأمرين الفقر العام ولا يستلزم الخاص، أليس كذلك؟ والخاص يستلزم العام، فلما قال: {أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ} . دخل فيه النوعان، ولذلك قال ابن القيم - هذه فائدة لغوية تُسَطّر بماء الذهب إن صح التعبير: تعلق الفقر إليه باسم الله دون اسم الربوبية ليؤذن بنوعي الفقر، فإنه كما تقدم نوعان:
-فقر إلى ربوبيته وهو فقر المخلوقات بأثرها.
-وفقر إلى إلوهيته وهو فقر أنبيائه ورسله وعباده الصالحين، وهذا هو الفقر النافع. إذًا {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} هنا عم {أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ} خَصَّ اسم اللهِ عز وجل دون لفظ الربوبية ليعم النوعين، إذ الفقر نوعان: فقر عام يشمل كل مؤمن وفاجر وكافر يشمل الموجدات، وفقر خاص وهذا هو النوع النافع للعبد.