قال رحمه الله تعالى: ثم اعلم أن الأحاديث الدالة على أن الشهادتين سببٌ لدخول الجنة والنجاة من النار لا تناقض بينها وبين أحاديث الوعيد التي فيها من فعل ذنب كذا فالجنة عليه حرام، من فعل ذنب معلوم أن من قاعدة أهل السنة والجماعة أن الأصل في الذنب أنه لا يكفر به إلا بالاستحلال، وإذا فعل ذنبًا حينئذٍ نقول: الأصل بقاء الإيمان فهو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، لكن قد جاء في بعض النصوص نفي دخول الجنة عمن ارتكب ذنبًا من الذنوب «
لا يدخل الجنة قتات»، نمام لا يدخل الجنة، حينئذٍ هو فعل كبيرةً من الكبائر، وهذا ليس بكفرٍ، حينئذٍ كيف يكون النفي مطلقًا هنا مع أنه قد قال: لا إله إلا الله. ووجد عنده التوحيد فكيف يجمع بينهما؟ قد يقال بأن ثَمَّ تعارض بين النصوص، ولا شك أن التعارض إنما يكون في ذهن الناظر، وأما الشرع فلا تعارض فيه البتة، فإن كان ثَمَّ تعارض حينئذٍ ولا يمكن الجمع حينئذٍ إما ناسخ وإما منسوخ، فيكون الحكم السابق مرتفعًا والحكم اللاحق هو الذي أراده الله تعالى، والمنسوخ ليس بشرعي بعد نسخه، وإنما شرعٌ في وقته، فإذا رفع الحكم الشرعي بحكم لاحق أو بخطاب حكم لاحق فحينئذٍ نقول: هذا يعتبر نسخًا والمنسوخ ليس من الشرع في شيء، إذًا «لا يدخل الجنة قتات» . والحديث في مسلم وهو ثابت وهو نمام، والنمام ارتكب كبيرةً من الكبائر، أو لا يدخل الجنة من فعل كذا وكذا، لماذا؟ لا تعارض بينهما لإمكان الجمع بين النصوص، وهذا هو الأصل خاصةً فيما إذا تقرر أصلٌ من أصول معتقد أهل السنة والجماعة، عندنا أصول معتبرة، وهي أن كل موحد يدخل الجنة، أليس كذلك؟ عندنا أصل آخر وهو أنه لا يُخَلَّدُ في النار إلا الكافر، فإذا جاء النص بأن من ارتكب ذنبًا فإنه يُخَلَّدُ في النار حينئذٍ يؤول لا نرجع إلى الأصل فنبطله أو نؤوله أو نحرفه وإنما نقول: الأصل مجمع عليه أن كل موحد لا يُخلد في النار وإن دخلها، فإذا جاء نص أيّ نصٍّ كان من كتابٍ أو سنة فيه ماذا؟ فيه إسناد الخلود لمن ارتكب هذا الذنب، ثم هذا ذنب من الذنوب بمعنى أنه لا يخرجه من الملة، حينئذٍ مباشرةً نقول: هذا النص مؤول ليس على ظاهره هذه أول خطوة، ثم قد لا يصل الإنسان بماذا؟ قد لا يصل إلى التأويل الصحيح فيبقى من حيث ترجيحه وفهمه فيه إشكال، وهذا إشكال نسبي ولا إشكال فيه، واضح؟ بمعنى أنه قد يُشكل عليه نصٌّ ما فيبقى مُشْكِلًا ولا يلزم بأن طالب العلم أو العالم ولو كان عالمًا لا يلزم أن يقف على حقيقة كل حكم شرعي، وإنما يقول: هذا النص مشكل فلا يعترض به على هذا الأصل، ويبقى هذا جوابًا.