الصفحة 317 من 439

وهذه الآيات صريحة الدلالة على رؤية المؤمنين ربهم تبارك وتعالى لا تقبل تحريفًا، بل هي من المحكم، بل من أحكم المحكم، وهذه قاعدة في باب الأسماء والصفات: أن ما دلّ على إثبات اسم لله جل وعلا في الكتاب أو في السنة بشرط أن يكون صحيحًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يقبل في هذا الباب إلا ما صح، وبشرط كذلك أن يكون مما هو ظاهر الدلالة، حينئذٍ نقول: إذا وُجِدَ فيه هذان الأمران صارت الدلالة محكمة، بل هي من أحكم المحكم. فهذه الآيات صريحة الدلالة على رؤية المؤمنين ربهم تبارك وتعالى لا تقبل تحريفًا ولا تأويلًا ولا يُرُّدها إلا مكابر، قد ختم الله على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة، فمن يهديه من بعد الله.

وقلت فيما سبق: أن الدلالة تكون واضحة لأن بعض الآيات وهي قليلة قد وقع نزاع بين السلف، هل هي من آيات الصفات أو لا؟ كقوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} [القلم: 42] . هذه الدلالة ليست متعينة لأن الباري لم يضف الساق إلى ذاته لم يقل ساقه قال: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} . ونكر هل هي ساق الباري جل وعلا أو لا؟ قولان للسلف، لكن مع إثبات حديث أبي سعيد وهو أن الباري جل وعلا يكشف عن ساقه، فالساق ثابتة، هذا لا شك فيه، لكن هل هذه الآية تدل على ذلك أو لا؟ فما لم يقع فيه نزاع لا شك أن الدلالة صريحة قطعية، وما وقع فيه النزاع فحينئذٍ يُحمل فيه الخلاف لكن يكون الترجيح من خارج. والصواب أن الآية هنا محمولة على ساقه جل وعلا.

وفي الآيات دليل على أن الرؤية تحصل للمؤمنين يوم القيامة دون الدنيا فلا يرونه في الدنيا، وإنما الشأن في الآخرة، ولم يثبت أن أحدًا رآها سبحانه في الدنيا، قال الله جل وعلا في حق موسى عليه السلام: {قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} يعني في الدنيا طلب الرؤية في الدنيا، قال الله جل وعلا: ... {قَالَ لَن تَرَانِي} [الأعراف: 143] . ولن في هذا الموضع تأبيدية باعتبار الدنيا، وحملها المخالفون على أنها للتأبيد مطلقًا لن تراني في الدنيا ولا في الآخرة وهذا باطل، وإنما معتقد أهل السنة والجماعة أن المؤمنين لا يرون بل غير المؤمنين جميع المخلوقات لا ترى ربها جل وعلا في الدنيا، وإنما الرؤية خاصة بأهل الإيمان في الجنة وفي العرصات، إذًا {لَنْ تَرَانِي} أي في الدنيا وهذا واضح بين خلافًا للمعتزلة وغيرهم، وقد حمل الزمخشري لن على التأبيد، ولذلك يقال: التأبيد هذا مذهب الزمخشري وهو باطل، قد تدل على التأبيد لكن من خارج لا من ذاته، ولذلك قال تعالى: {لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا} [الحج: 73] . للتأبيد؟ نعم للتأبيد لكن من خارج؛ لأن الذي يخلق هو الباري جل وعلا، فلن تخلقوا ذبابًا أو {لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا} هذا مؤبد لكن ليس بدلالة لن عليها، ولذلك يجتمع معها لفظ أبدًا، لَنْ أَحْضُرَ إِلَيْكَ أَبَدًا، فلو كانت لن للتأبييد ما فائدة أبدًا؟ صار حشوًا وهذا ممتنع.

وقد تواترت الأحاديث بمعنى ما تضمنته هذه الآيات رواها أئمة السنة والحديث في داووين الإسلام عن فضلاء الصحابة وأجلائهم كما سيأتي شيء من ذلك ز

قال ابن القيم رحمه الله تعالى في النونية:

ويرونه سبحانه من فوقهم ... نظر العيان كما يُرَى القمرانِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت