قوله: {لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا} {لَهُم مَّا} اسم موصول بمعنى الذي فيكون من صيغ العموم {لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا} فكل ما يشاءه المرء مما كتبه الله تعالى وقدره أن يكون في الجنة حينئذٍ يكون له، ولذلك قال: ... {لَهُم} .إذًا اختصاصًا وملكًا واستحقاقًا، {لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا} أي في الجنة مما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، كما في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «قال الله تعالى» . هذا حديثٌ قدسي «قال الله تعالى أعدت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر» ، ثم قرأ « {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ... [السجدة: 17] » . رواه البخاري. قوله: {وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} هو النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى كما قال ذلك علي بن أبي طالب وأنس وغيرهم وهو محل إجماع في تفسير المزيد هنا برؤية الباري جل وعلا.
-وقال تعالى في شأن الكفار مبيِّنًا جزاءهم في الآخرة: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15] . ولا شك أن هذا عقاب، بل من أشد وأعظم العقاب أنهم حجبوا عن ربهم، إذًا ما يقابل الكفار وهم المؤمنون لا يحجبون عن ربهم فدل ذلك بدلالة الالتزام على أن الباري جل وعلا يراه المؤمنون {كَلَّا إِنَّهُمْ} يعني الكفار، {عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ} يعني يوم القيامة وكذلك في الجنة {لَمَحْجُوبُونَ} مؤكد باللام. إذًا مفهوم المخالفة أن المؤمنين لا يُحجبون وهم يرون ربهم جل وعلا، فإذا حُجِبَ أولياؤه فأيُّ فضيلة لهم على أعدائهم، ما الفرق بينهم؟ إذا كان المؤمنون يُحجبون عن ربهم، إذًا قوله: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} . ما الفائدة فيه؟ دلّ ذلك على التخالف بين الفريقين والطائفتين، فالمؤمنون لا يُحجبون عن ربهم، والكفار يُحجبون عن ربهم.
-وقال تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ} [المطففين: 22، 23] . {عَلَى الْأَرَائِكِ} الأرائك جمع أريكة وهي السرر، {يَنْظُرُونَ} أي إلى وجه الله جل وعلا وهذا مقابل لما وصف به أولئك الفجار في قوله: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} . فذكر عن هؤلاء أنهم يُباحون النظر إلى الله وهم على سررهم وفرشهم، وعن أولئك الفجار أنهم يُحجبون عن رؤيته، وقد استدل العلماء بهذه الآية أي قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} . على إثبات رؤية الله تعالى في الجنة. قالوا: لأنه لما حجب أعداءه عن رؤيته دل على أن أولياءه المؤمنين يرونه جل وعلا.