فصفات الباري جل وعلا سواء كان القرآن الذي هو كلامه جل وعلا أو غيره من الصفات، فليست مخلوقة لأنها تابعة للذات، لأن الكلام في الصفات فرع الكلام في الذات، فكما أثبتنا ذاتًا ليست أو غير مخلوقة كذلك صفاته جل وعلا ليست مخلوقة، فليس من صفات الله تعالى شيء مخلوق البتة، ليس من صفات الله تعالى شيء مخلوق تعالى الله عن ذلك، وتعالى على أن تكون ذاته محلًا للمخلوقات، بل هو الأول بأسمائه وصفاته قبل كل شيء، الأول هو الذي ليس قبله شيء، حينئذٍ هو ذاته جل وعلا بأسمائه وصفاته ليس قبله شيء وليست ذات مجردة، نقول: ليس قبله شيء الذات فقط، ثم الأسماء والصفات تابعة. لا، إنما ذاته بأسمائه وصفاته قبل كل شيء، والآخر بأسمائه وصفاته بعد كل شيء، لم يُسبق شيء من صفاته بالعدم، وهو كذلك، ولم يعقب بالفناء تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوًّا كبيرًا.
فَالصوْتُ والأَلْحَانُ صَوتُ الْقَارِي ... لكنَّمَا الْمَتلُوُّ قَوْلُ الْبَارِي
على ما قال الإمام أحمد قاعدة العامة في باب القرآن، (فَالصوْتُ وَالأَلْحَانُ صَوتُ الْقَارِي) ، (فَالصوْتُ) الفاء فصيحة أو تفريعية، ... (فَالصَّوْتُ وَالأَلْحَانُ صَوتُ الْقَارِي) ، (فَالصَّوْتُ) حقيقة الصوت صفة مسموعة أو عَرَضٌ مسموع، فكل ما يُدرك بالسمع فهو صوت، ... (فَالصَّوْتُ) الذي هو صفة مسموعة من جهوريّ وخفي (وَالأَلْحَانُ) من حَسَنٍ وغيره، يقال: لَحَّنَ في قراءته طَرَّبَ فيها. يُجْمَعُ على أَلْحَانٍ ولُحُون، إذًا الصوت والألحان، الصوت شيء ثابت وهو أعم من الألحان، والألحان وصف خاص جمع (وَالأَلْحَانُ) جمع لحن، يقال: لَحَّنَ في قراءته طَرَّبَ فيها. يُجْمَع على أَلْحَان ولُحُون، (فَالصوْتُ) هذا مبتدأ، (والأَلْحَانُ) معطوف عليه، خبره (صَوتُ الْقَارِي) ، (فَالصوْتُ والأَلْحَانُ صَوتُ الْقَارِي) ، إذًا صوت القاري هذا خبر المبتدأ الذي هو الصوت، (صَوتُ الْقَارِي ** لكنَّمَا الْمَتلُوُّ) أي المؤدى بذلك الصوت هو (قَوْلُ الْبَارِي) أي مقوله، فالمصدر هنا بمعنى اسم المفعول لأنه كلام الباري جل وعلا، وأما القول الذي هو الكلام هذا صفةٌ له جل وعلا الذي هو بمعنى التكلم، (لكنَّمَا الْمَتلُوُّ) لكن الذي هو متلو ومؤدى بذلك الصوت هو (قَوْلُ الْبَارِي) جل وعلا أي مقوله، وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «لم يأذن الله لشيء ما أذن للنبي - صلى الله عليه وسلم - يتغنى بالقرآن» . «يتغنى» هو المراد بالألحان.
وعن سعيد بن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن» . رواه أبو داوود، وبعضهم ضعف الحديث، وبعضهم يحسنه.
وفي الصحيحين عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: (سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في المغرب بالطور فما سمعت أحدًا أحسن صوتًا) . أو قال: ... (قراءةً منه) . الحديث.
إذًا هذا وصف لصوت النبي - صلى الله عليه وسلم - بالْحُسْن.