(أنْ تَعْبُدَ الله) أن تعبد الله سبحانه وتعالى، يعني تجعل الباري جل وعلا معبودًا، ولذلك مَرّ معنا في (( الأصول الثلاث ) )والرب المعبود لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ} [البقرة: 21] . ما وجه الاستدلال؟ نقول: {اعْبُدُواْ} هذا فعل، والفعل تضمن مصدرًا وزمنًا، حينئذٍ المفعول به، وهو لفظ الجلالة لا بد أن يتعدَّى الأثر الذي تعلق به ... {اعْبُدُواْ} إلى ماذا؟ إلى المفعول به، ولذلك يُفَسّر الفعول به هو ما وقع عليه الحدث، أليس كذلك؟ إذا تصورت معنى ضَرَبْتُ زَيْدًا معناه أن زيد وقع عليه ماذا؟ الضرب، أليس كذلك؟ ضَرَبْتُ عَمْرًا، عَمْروٌ تعلق به الضرب فوقع عليه، {اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ} اعبدوا الله حينئذٍ نقول: الله ربكم هذا مفعول به، تعلق به المصدر الذي دل عليه الفعل على جهة أنه الذي تُصرف له العبادة جل وعلا، ومن هنا أخذنا أن الرب هو المعبود، وأن الله تعالى هو المعبود، فكل فِعْلٍ سواء كان فعلًا مضارعًا أو فعل أمر جاء بلفظ اعبدوا تعبدوا وجاء المفعول به الباري جل وعلا، نقول: هذا يدل على أن الله أو الرب هو المعبود لأنه مفعول به، والمفعول به هو الذي تعلق به الحدث، إما على جهة الإيقاع عليه كـ ضَرَبْتُ زَيْدًا، أو على جهة التوجه إليه بالعبادة، ومن هنا قال الناظم هنا: (أنْ تَعْبُدَ الله) يعني أن تجعل الله تعالى معبودًا، وجهه ما ذكرناه أن الله تعالى هنا مفعول به، فتوجه إليه بالعبادة، وسيأتي معنى العبادة في فصل خاصٍ يُفرده المصنف رحمه الله تعالى، (أنْ تَعْبُدَ الله إلهًا) هذا حال من لفظ الجلالة من المفعول به، وهو توكيد، يعني الحال هنا [ليس فيها وصفًا] [1] ، ليس فيها وصفٌ جديد، لأن الله معناه المألوه، معناه المعبود، وإذا كان كذلك فهو إله، (إلهًا) حال من لفظ الجلالة، (وَاحِدَا) هذا صفة لإلهًا، لا شريك له في ألوهيته كما لا شريك له في ربوبيته وأسمائه وصفاته، وهذا التعريف الذي ذكره المصنف وهو: (أنْ تَعْبُدَ الله إلهًا وَاحِدَا) يقتضي منك أمرين:
الأول: أن تتوجه بجميع أنواع العبادة ما قل منها أو كثر لله جل وعلا، ولا يُصرف منها شيءٌ لغير الله، لأنه قال: (أنْ تَعْبُدَ الله) . إذًا أن تتوجه بجميع أنواع العبادة ما قل منها أو كثر، قليلها وكثيرها إلى الله عز وجل، ولا تصرف شيئًا من هذه العبادة لغير الله تعالى لأن المراد بالعبادة هنا (أنْ تَعْبُدَ الله) الذي جعلته مألوهًا لك، حينئذٍ يتأتى معنا الإفراد، وهو أن لا تتوجه بهذه العبادة لغيره جل وعلا.
(1) سبق.