الثاني: يقتضي منك أن تعرف ما هي هذه العبادة، هذا مما يتعلق بمعنى التوحيد، لا يمكن أن يحقق التوحيد محقق موحد إلا إذا عرف العبادة، لأننا نقول: التوحيد هو إفراد الله تعالى بالعبادة. إذًا ما الذي يختص بالباري جل وعلا، وما الذي لا يختص؟ هل كل عبادة صُرِفَت لغير الله تعالى تكون شركًا؟ وما المراد بالعبادة؟ وما تحقيقها؟ وما أركانها؟ وما شروطها؟ البحث فيه بحث في معنى التوحيد لأنه لا يمكن أن يتحقق التوحيد إلا بمعرفة ماذا؟ العبادة، لأنه إذا قيل لك ما هو التوحيد؟ إفراد الله تعالى بالعبادة، بمعنى أن تتوجه إلى الله تعالى بالعبادة ولا تصرف شيئًا منها لغير الله، ما هي هذه العبادة؟ لا أدري، إذًا كيف يتحقق التوحيد، لا يمكن أن يتحقق التوحيد إلا إذا عرف ما هي هذه العبادة على وجهها، ولذلك كان كثيرٌ من أهل العلم مِمَّن صنف في التوحيد يذكرون معنى العبادة وما يتعلق بها، وسيأتي بحثه في موضعه إن شاء الله تعالى.
والتَّأَلُّه تَفَعُّلٌ بمعنى التّعبد، والتَّأَلُّه الذي هو التعبد هو محبة القلب، أن يحبه حب عبادةٍ، يُقال أَلِهَ يَأْلَهَهُ، أَلِهَ من باب فَعِلَ يَفْعَلُ، إَلِهَ يَأْلَهُ، يعني عَبَدَ عِبَادةً من باب فَعِلَ يَفْعَلُ، أي أنه أحبه حبًّا يتضمن الذّل والتعظيم، وهذا هو التَّأَلُّه المعني في هذا المقام، وهذا النوع الذي هو محبة القلب والتذلل والتعظيم لا يجوز أن يكون إلا لله جل وعلا، ولا يجوز أن يكون لمخلوق من الخلق أيًّا كان لا ملكًا مقربًا ولا نبيًّا مرسلًا، فإن وقع لمخلوق فقد وقع في الشرك الأكبر لأنه مما يختص بالباري جل وعلا ومن العبادة التي لا يجوز صرفها لغير الله تعالى، ولأن هذه العبادة الذي هو حقيقة التأله [خالص] حقٌّ خالص لله جل وعلا، وهذا يُعِيِّن أو يَتَعَيّن أن نعرف معنى العبادة كما سيأتي.
أما العبودية فهي بمعنى الإلهية، عندنا أَلِهَ يَأْلَهُ، بمعنى عَبِدَ يَعْبُدُ، وعندنا التَّأَلُّه الذي هو التَّفَعُّل يعني التعبد، وعندنا الألوهية والإلهية، الألوهية هذا مصدر، والإلهية هذه نسبة، وكلاهما بمعنى العبودية، إذًا مادة أَلِهَ يَأْلَهُ تدور على عَبَدَ، إذا نطق بها ومشتقاتها حينئذٍ نقول: تفسر بالعبادة، فالعبودة هي بمعنى الإلهية، ولا يوجد بينهما فرق البتة، فالإلهية هي العبودية، فالعبودية هي الإلهية، والإلهية هي العبودية، فهي شيء واحد، والتَّأَلُّه هو التعبد، والتعبد هو التأله ولا فرق بينهما، والإله هو المعبود، ولذلك قال رؤبة:
لله دَرُّ الغانيات الْمُدَّهِي ... سبحن واسترجعن من تَأَلُّهِ