وفيها، إذًا فهذه الآية صريحة لا تحمل معنًى آخر، وهذا كما قلنا: القاعدة في باب الأسماء والصفات أن الآيات تحمل على ماذا؟ على ظاهرها، فحينئذٍ نقول: المعاني الأُخَر إن كان صح حمل اللفظ عليها في لسان العرب لا يحمل إلا بدليل، وليس ثَمَّ دليل، بدليل أن النص هنا جا في تفسير قوله جل وعلا: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} . إلى وجه الله. دل ذلك على أن التفسير الأثري الوارد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - دالٌ على أن الله تعالى يُرَى في الجنة، وفي عرصات القيامة، وكذلك جاء النص من النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك التفسير.
وفيها الرد على من زعم أن معنى {نَاظِرَةٌ} أي منتظرةٌ ثواب ربها، لأن الأصل عدم التقدير، ولأن النظر المعدَّى بـ (إلى) لا يكون إلا بمعنى النظر، لاسيما وقد ذُكِرَ الوجه الذي هو محل النظر.
هذه الآية الأولى واضحة بينة، بل هي صريحة للدلالة على المعنى المذكور.
-كذلك قوله تعالى: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26] . {أَحْسَنُواْ} أي في أعمالهم، و {الْحُسْنَى} فسَّرَها النبي - صلى الله عليه وسلم - بالجنة. المراد بالحسنى هنا الجنة، {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ} في أعمالهم وأقوالهم واعتقاداتهم لهم {الْحُسْنَى} وهي الجنة {وَزِيَادَةٌ} يعني زيادة على ماذا؟ على دخولهم الجنة وهو الثواب الأعظم، أعظم من ذلك هو رؤية الباري جل وعلا، {وَزِيَادَةٌ} فسرت بالنظر إلى وجه الله تعالى كما فسرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك الصحابة أجمعوا على ذلك. ولما عطف الزيادة على الحسنى ثَمَّ عطفٌ {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} عَطفٌ، لما عطف الزيادة على الحسنى دل على أنها جزاءٌ آخر وراءَ الجنة وقدرٌ زائدٌ عليها، وهذا واضح لأن الأصل في العطف يقتضي المغايرة، التغاير بمعنى أن ما بعد الواو مغايرٌ لما قبل الواو، {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى} الجنة {وَزِيَادَةٌ} إذًا زيادة هذا لا شك أنها زيادةٌ على الجنة فهي شيءٌ آخر وفُسِّرَتْ بالنظر إلى وجه الباري جل وعلا.
وثب في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله الكريم. قال ابن رجب رحمه الله تعالى: وهذا مناسبٌ لجعله جزاءً لأهل الإحسان، لأن الإحسان هو أن يعبد المؤمن ربه على وجه الحضور والمراقبة كأنه يراه بقلبه وينظر إليه في حال عبادته، فكان جزاء ذلك النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى عيانًا - أي معاينةً - في الآخرة. وعكس هذا ما أخبر به عن جزاء الكفار أنهم عن ربهم محجوبون وذلك جزاءٌ لحالهم في الدنيا وهو تراكم الرانِ على قلوبهم حتى حُجِبَتْ عن معرفته في الدنيا فكان جزاؤهم على ذلك أن حجبوا عن رؤيته في الآخرة.
-وقال تعالى آيةٌ ثالثة تدل على الرؤية: {لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} [ق: 35] . وفُسِّرَ المزيد برؤية الباري جل وعلا.