هذا تواتر عن رسول الله لم ... ينكره إلا فاسد الإيمانِ
إذًا الرؤية ثابتة، وثبوتها متواتر، ولا ينكرها إلا كافر. وقد نص الإمام أحمد على ذلك على أن من أنكر الرؤية فهو كافر مرتد عن الإسلام. وهذا واضح بين كما ذكرناه مرارًا في هذه المسائل، فإن ثبوت الرؤية أعظم وأشد من ثبوت وجوب الصلوات الخمس، فمن أنكر الصلوات الخمس وجوبها وهو بين أظهر المسلمين كفر ولا نحتاج لإقامة حجة، أيهما آكد في الثبوت هذه النصوص التي معنا أم وجوب الصلوات؟ لا شك أن هذا المعتقد آكد من وجوب الصلوات الخمس.
قال ابن حجر:
من ما تواتر حديث من كذب ... ومن بنى لله بيتًا واحتسب
ورؤية ..
هذا الشاهد.
ورؤية شفاعة والحوض ... ومسح خفين وهذي بعض
إذًا مما تواتر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بتواتر اللفظ والمعنوي أو المعنوي معًا كلٌّ منهما وارد، نقول: مما تواتر هو ثبوت رؤية الباري جل وعلا. والمراد بالرؤية تكون في الآخرة.
وفي (( صحيح مسلم ) )أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا» . هذا من الأدلة على أن المؤمنين بل غير المؤمنين كذلك لا يرى ربه في الدنيا للنص السابق في قصة موسى مع الباري جل وعلا {لَنْ تَرَانِي} ، كذلك يضاف إليه هذا النص النبوي والحديث الصحيح كما رواه مسلم «إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا» . فإذا متم، فما بعد ذلك حينئذٍ الرؤية ممكنة، وأما في الدنيا فلا،
واختلف هل حصلت الرؤية لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - في الدنيا أم لا؟ محل خلاف بين الصحابة وغيرهم، بل حُكِيَ إجماع الصحابة على النفي، فالأكثرون من أهل العلم المتأخرين على أنه لم يرَ ربه جل وعلا، وحكاه عثمان بن سعيد الدارمي بإجماع الصحابة. فيه رواية عن ابن عباس سيأتي في ما يتعلق ببحث الإسراء والمعراج على كلٍّ حكى الدارمي من إجماع الصحابة أنه لم يرَ ربه جل وعلا، والصواب أنه لم يره حتى لو جعلنا المسألة خلافية نقول: الصواب أنه لم يرَ ربه جل وعلا.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: والناس في إثبات الرؤية وعدمها طرفان ووسط. يعني: تكلم المخالفون ومذهب السلف ولا شك أنهم السلف لهم مخالفون، حينئذٍ هناك من يثبت، وهناك من ينفي، وهناك من توسط بين الأمرين، فقسم غَلَو في إثباتها حتى أثبتوها في الدنيا والآخرة، يعني: رأوا وقالوا واعتقدوا أن المؤمنين يرون ربهم في الدنيا والآخرة، حينئذٍ أصابوا وأخطئوا أصابوا في ماذا؟ في كونهم أثبتوا الرؤية في الآخرة، وأخطئوا وضلوا في كونهم جَوَّزُوا الرؤية في الدنيا - وهؤلاء هم الصوفية وأضرابهم - جَوَّزُوا أن يُرى الباري جل وعلا في الدنيا، وقسم نفوها في الدنيا والآخرة. لا يُرى لا في الدنيا ولا في الآخرة وهم الجهمية والمعتزلة، الجهمية كُفَّار كما هو معلوم عن السلف تواتر عنهم ذلك، والمعتزلة فيهم قولان، والجمهور على أنهم كفار، والوسط هم أهل السنة والجماعة الذين أثبتوها في الآخرة فقط حسبما تواترت به الأدلة. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.