إذًا فيما يتعلق بالرؤية فيه ثلاثة مذاهب، هذا إن جعلنا مسألة خلافية من باب التوسع في الإطلاق، وإلا نقول بأن هذه الأقوال معتبرة، ولا يلتفت لها ولا إلى أصحابها، بل هو قول واحد، وما عداه فهو بدعة وضلالة، فحينئذٍ نقول:
-هناك من أثبتها مطلقًا في الدنيا والآخرة.
-وهناك من نفاها مطلقًا في الدنيا والآخرة
-وهناك من توسط - وهم أهل السنة والجماعة - فنفوها في الدنيا وأثبتوها في الآخرة، وهو معتقد أهل السنة والجماعة.
ومثل هذا المعتقد معتقد أهل السنة والجماعة لا ينبغي حكاية خلاف بأن يقال المسألة فيها ثلاثة مذاهب أو أربعة مذاهب، وإنما هذا باعتبار ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى، وإلا ليس باب المعتقد كالفقه المقارن كأن تذكر المسألة أو الصفة أو الاسم ثم يقال فيه مذهبان ذهب السلف إلى كذا وخالف المعتزلة، نقول: هذه الطريقة بدعية وليست بطريقة أهل السنة والجماعة، لا يُذكر في مقام التعليم وبيان معتقد أهل السنة لا يُذكر إلا معتقد أهل السنة والجماعة، هذا الأصل الذي اندرج عليه السلف الصالح.
في (( الصحيحين ) )من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن ناسًا قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ سؤال واضح بين وصريح، سأل ناسٌ من المؤمنين من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فالسائل صحابي والمسئول هو النبي - صلى الله عليه وسلم -، والسؤال واضح بَيِّن، والجواب كذلك واضح بَيِّن، فحينئذٍ لا يحل رد هذا الحديث.
يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر» . «هل تضارون» ، يعني هل يضر أحدكم أحدًا إذا أراد الناس مثلًا إذا يروا القمر حينئذٍ قد يتزاحمون، وإذا أرادوا أن يروا شيئًا ظاهرًا كذلك يتزاحمون يضر بعضهم بعضًا يدفع بعضهم بعضًا، حينئذٍ القمر إذا أراد الناس أن يراه هل يحصل بينهم كما يحصل بين أو النظر إلى شيء آخر يكون في الأرض؟ الجواب: لا، ولذلك قال: ... «هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر» . لأنه في العلو وكلٌّ يراه دون أن يزدحموا عليه بخلاف الأمر الذي يكون في الأرض حينئذٍ يضر بعضهم بعضًا أو يزاحم بعضهم بعضًا، أما القمر الذي يكون في السماء حينئذٍ كلٌّ يراه في محله، كذلك رؤية الباري جل وعلا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «هل تضارون» . يعني هل يضر أحدكم أحدًا في رؤية القمر ليلة البدر؟ هل يحصل تدافع ومضرة بعضكم بعضًا؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «فإنكم ترونه كذلك» .. الحديث.
والمراد هنا التشبيه تشبيه الرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي، يعني: ليس المراد أننا نرى ربنا كصورة البدر، لا، وإنما المراد أننا لا نزدحم في رؤية الباري جل وعلا كما أننا لا نزدحم في رؤية القمر ليلة البدر.