الصفحة 320 من 439

وفيهما عن جرير بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: كنا جلوسًا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فنظر إلى القمر ليلة أربعة عشر فقال: «إنكم سترون ربكم» . تأكيد «إنكم» ، إن للتوكيد والخطاب هنا للمؤمنين الصحابة وغيرهم ... «سترون» السين هنا لاستقبال القريب «سترون ربكم عيانًا» أي معاينة «كما ترون هذا لا تضامون في رؤيته» ، يعني لا ينضم بعضكم إلى بعضٍ، «فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاةٍ قبل طلوع الشمس» وهي صلاة الفجر «وصلاةٍ قبل غروب الشمس» وهي العصر «فافعلوا» .

وفي صحيح مسلم عن صهيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أهل الجنة الْجَنة يقول الله عز وجل: تريدون شيئًا أزيدكم؟ يقولون: ألم تبيض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فَيُكْشَف الحجاب فما أعطوا شيئًا أَحَبَّ إليهم من النظر إلى ربهم» . ثم تلا هذه الآية {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26] . إذًا هذه الأحاديث قطعية الدلالة قطعية الثبوت لأنها متواترة، ولذلك قلنا فيما سبق: قال بعض السلف: من أنكر الرؤية فهو كافر. وقد صح ذلك عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

وحاصل ما مضى: أنه لا خلاف في ثبوت رؤية المؤمنين ربهم تبارك وتعالى في دار الآخرة هذا موضع، وكذلك لا خلاف بينهم في أنه لا يراه أحد قبل الموت كما قال في الحديث السابق: «إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا» . وإنما وقع الخلاف بين الصحابة والتابعين فمن بعدهم في ثبوت رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - ربه ليلة المعراج، وهذا فيه خلافًا لِمَا ذكره الدارمي فيما سبق أنها محل إجماع بين الصحابة، وسيأتي هذا في موضعه بإذن الله تعالى.

ثم إلى هذا الموضع الذي هو ذكر الرؤية رؤية الباري جل وعلا انتهى المصنف من ذكر بعض الصفات والأسماء التي أرادها في النوع الأول من نوعي التوحيد، وهو توحيد الربوبية وهو توحيد الأسماء والصفات، أو إن شئت قل: التوحيد العلمي الخبري. مَرَّ معنا التوحيد نوعان:

توحيدٌ علميٌ خبري، ويتعلق بماذا؟ بإثبات ذات الباري جل وعلا وأسمائه وصفاته، ومقتضيات الأسماء ومقتضيات الصفات.

النوع الثاني: التوحيد العملي الإرادي الطلبي القصدي. وهذا الذي يعنون له بتوحيد الألوهية.

لَمَّا انتهى من ذكر شيءٍ من ما يتعلق بأفعال الباري وصفاته أراد أن يبين بعض القواعد المتعلقة بهذا الباب، لأنه كما مرَّ معنا وذكرنا قواعد في الأسماء وقواعد في الصفات، وقلنا: هذا الباب لا يُفهم كهذا بالفهم العقلي المباشر، وإنما لا بد من نظرٍ إلى ما يتعلق بمنهج السلف في فهم النصوص الشرعية. ومنهج السلف يؤخذ في الجميع في الفقهيات وفي العلميات، في العمليات وفي العلميات، لكن هذا الباب أشد نظرًا من الباب الآخر لأنهم اختلفوا في الفروع ولم يختلفوا في الأصول، اختلفوا في العمليات ولم يختلفوا في العلميات، إن شئت قل: اختلفوا في بعض العمليات ولم يتخلفوا في العلميات، فأصول معتقد أهل السنة والجماعة كلها متفقٌ عليها بين الصحابة ومن سار على نهجهم، ولذلك ثَمَّ قواعد ذكرها أهل العلم وذكرنا شيئًا منها لكن المصنف هنا ختم بما ذكره هنا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت