وقال رحمه الله تعالى في (( إغاثة اللهفان ) ): أن الله سبحانه غني كريم عزيز رحيم فهو محسن إلى عبده مع غناه عنه - يعني: الله عز وجل يحسن للعباد مع كونه مستغنيًا عنه - يريد به الخير ويكشف عنه الضر، لا لجلب منفعة إليه من العبد، ولا لدفع مضرة، بل رحمةً منه وإحسانًا، فهو سبحانه لم يخلق خلقه ليتكثر بهم من قلة، كذلك مستغنٍ عنهم قبل الخلق وبعد الخلق، ولا ليعتز بهم من ذلة، ولا ليرزقوه قوة، ولا لينفعوه، ولا ليدفعوا عنه كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ} [الذاريات: 56، 57] . {مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ} ، {رِزْقٍ} هذا نكرة في سياق النفي فيعم، و {مِنْ} زائدة للتوكيد، ما أريد رزقًا هذا الأصل {مِنْ رِزْقٍ} ، {رِزْقٍ} هذا مفعول به، ومن هذه زائدة، {وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ} وما أريد إطعامي وهو كذلك، {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 58] ، وقال تعالى: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} [الإسراء: 111] . فهو سبحانه لا يوالي من يواليه من الذل كما يوالي المخلوق المخلُوق، وإنما يوالي أولياءه إحسانًا ورحمةً ومحبةً لهم، وأما العباد، هذا فيما يتعلق بالباري جل وعلا، هو مستغنٍ عن الخلق ويحسن إليهم إحسانًا ورحمةً ومحبة، هل ثَمَّ حاجةً تعود إلى الباري جل وعلا مقابل هذا الإحسان؟ الجواب: لا، لماذا؟ لكونه الغنيّ، وعرفنا الغني المراد به ماذا؟ أنه [غير] [1] المحتاج إليه المستغني عن غيره، وأما المخلوق مع المخلوق حدّث ولا حرج، ولذلك قال رحمه الله تعالى في كلام يُفهم فقط قال: وأما العباد فإنهم كما قال الله تعالى: {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ} [محمد: 38] . فهم لفقرهم وحاجتهم إنما يُحسن بعضهم إلى بعضٍ لحاجته إلى ذلك، يعني: إذا أحسن بعض الخلق إلى البعض فثَمَّ حاجة، لحاجته إلى ذلك وانتفاعه به عاجلًا أو آجلًا، يعني إما في الدنيا وإما في الآخرة، الجميع العباد إذا أحسن بعضهم إلى بعض حينئذٍ ثَمَّ حاجة لا بد منه لا ينفك لماذا؟ لأنه فقير بالذات، فلا يفعل فعلًا ولا يقول قولًا ولا يترك شيئًا إلا لمصلحة تعود إليه، سواء كانت هذه المصلحة في الدنيا أو في الآخرة، وهذا لا يعيبه كما سيأتي، وانتفاعه به عاجلًا أو آجلًا.
(1) سبق.