الصفحة 226 من 439

قال رحمه الله تعالى: ولولا تصور ذلك النفع لما أحسن إليه. لولا أنه تصور بذهنه ذلك النفع وعرف ما يترتب عليه لما أحسن إليه، إذًا يدور مع العلة وجودًا وعدمًا، فالنفع نفع الغير من الإنسان لا يكون إلا لما يرجوه من ذلك المنتفع، ولولا تصوره لذلك المعنى في النفس لما حصل، يعني: لا ينتفي عنه كل إحسان من الإنسان، ولذلك قال: لولا تصور ذلك النفع لما أحسن إليه. فهو في الحقيقة إنما أراد الإحسان إلى نفسه، وجعل إحسانه إلى غيره وسيلةً وطريقًا إلى وصول نفع ذلك الإحسان إليه، فإنه إما أن يحسن إليه لتوقع جزائه في العاجل، صحيح؟ يعني: يحسن الإنسان إلى .. ، أنت تحسن نَزِّل على نفسك لا تذهب إلى الغير لأنك ستنتفع، ولذلك ابن القيم يقول: ما حجب الناس عن القرآن إلا ماذا؟ أنه يقرأ الآيات ولا يُنَزِّلُها على نفسه، وإنما يستحضر فلانًا وفلانًا، والبيئة والمجتمع .. إلى آخره وينسى نفسه كأنه معصوم، هنا كذلك لأن هذا المعنى داخل في قوله: {الْفُقَرَاءُ} . فما معنى الفقر؟ وما معنى الغنى؟ فهو يكون من تدبر الآيات ومن تدبر معاني الأسماء والصفات، لذلك ابن القيم رحمه الله تعالى له كلام جميل في كثير من الأسماء والصفات، فالنظر فيه يكون نظرًا في فهم هذه الأسماء والصفات. قال: إذا أحسن العبد إلى غيره إما أن يحسن إليه لتوقع جزائه في العاجل. وهو كذلك يعني: ينتظر أن يأتي الرد فهو محتاج إلى ذلك الجزاء، وإما معاوضة بإحسانه، إحسان بإحسان مقابلة، أو لتوقع حمده وشكره، يريد الثناء ونحو ذلك، وهو أيضًا إنما يحسن إليه ليحصل منه ما هو محتاج إليه من الثناء والمدح، فهو محسن إلى نفسه بإحسانه إلى الغير، وإما هذه الرابعة التي يعتني بها أهل الصلاح، وإما أن يريد الجزاء من الله تعالى في الآخرة، ولذلك لا بد من الانتفاع شئت أم أبيت، لا تقول قولًا ولا تفعل فعلًا إلا لمصلحة، هذه المصلحة إما عاجلة وإما آجلة، والثانية هي التي يعتني بها أهل الصلاح. قال: وإما أن يريد الجزاء من الله تعالى في الآخرة فهو أيضًا محسن إلى نفسه بذلك، وإنما أخر جزاءه إلى يوم فقره وفاقته، فهو غير ملوم في هذا القصد. والحمد لله، فإنه فقير محتاج وفقره وحاجته أمر لازم له من لوازم ذاته، فكماله أن يحرص على ما ينفعه ولا يعجز عنه. إذًا الحرص على المصلحة وعلى المنفعة في الدين في الدنيا والآخرة إنما هو أمر فطري، ولذلك لا يقال بأن فلان يفعل لمصالحه فقط، نقول: هذا أمر فطري الناس مجبولة على ذلك، لكن النظر يكون في ماذا؟ أن ما يترتب على الإحسان إما يكون عاجلًا في الدنيا، وإما أن يكون آجلًا في الآخرة والثاني نظر أهل الصلاح وأهل العلم وطلاب العلم. وقال تعالى: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ} [الإسراء: 7] . لا لله عز وجل، وقال: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 272] . وقال تعالى فيما رواه عنه رسوله - صلى الله عليه وسلم: «يا عبادي إنكم لم تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولم تبلغوا ضُرِّي فتضروني، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن جد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت