ثم أراد أن يخبر عن الباري جل وعلا بما ورد من أسماء وصفات (وَهُوَ) أي الرب جل والعلا (الْغَنِيُّ) والغني من أسمائه تعالى ورد في ثمان عشرة آية في كتاب الله تعالى منها قوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} [فاطر: 15، 17] . قوله: {وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ} ... (الْغَنِيُّ) هذا فيه إثبات الاسم للباري جل وعلا. وقال سبحانه وتعالى: {وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [الحج: 64] . من أسمائه في هذه الآية ثلاثة {اللَّهَ} ، و {الْغَنِيُّ} ، و {الْحَمِيدُ} . والغني في كلام العرب الذي ليس بمحتاجٍ إلى غيره، وهنا انظر نقول: في كلام العرب لأن هذا هو الأصل في فهم مدلول الأسماء والصفات، فإذا كان ثَمَّ تفسيرٌ من النبي - صلى الله عليه وسلم - حينئذٍ يكون ثَمَّ حقيقة شرعية، وإذا لم يكن حينئذٍ رجعنا إلى ماذا؟ إلى لسان العرب، لأن هذا هو الأصل، فإذا كان كذلك قد خاطب الله تعالى الصحابة وأنزل القرآن بلسانٍ عربيٍ مبين في غير موضعٍ يبين تعالى أنه أنزل القرآن {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} [الشعراء: 195] . حينئذٍ كيف يُفهم؟ يفهَم {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} فما شاع وانتشر في كلام العرب حينئذٍ يفسر التفسير الذي يناسبه، ولذلك نقول: الغني في كلام العرب، وهذه قاعدة مهمة يجب العناية بها في الأسماء والصفات، حينئذٍ فما اشتهر في لسان العرب هو الذي يُفسر به السميع، والبصير، والعليم، والحكيم، ونحو ذلك، إلا إذا جاء شيءٌ يتعلق باللفظ مما ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - أو الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
والغني في كلام العرب الذي ليس بمحتاجٍ إلى غيره، وغَنِيَ به عنه، يعني به وعنه غُنيةً، أي استغنى، ولذلك قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [التغابن: 6] . إذًا غَنِيَ به وعنه غُنْيَةً أي: استغنى، الغني يُفسر بالذي ليس بمحتاجٍ إلى غيره، ويفسر كذلك بالمستغني، جاء النص {وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} . والْغِنَى مقصورٌ اليسار، وتقول منه غَنِيَ فهو غنيٌ، وتَغَنَّى الرجل أي استغنى وأغناه الله. إذًا يفسر بهذين المعنيين. المعنى الثاني وهو {وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ} جاء النص به في الكتاب.