قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في (( الفتاوى ) )الجزء السادس، ثمان وتسعين: ولفظ ذات تأنيث ذو، وذلك لا يُستعمل إلا فيما كان مضافًا إلى غيره ذاتُ علمٍ - هذا الأصل فيه - فهم يقولون: فلان ذو علمٍ وقدرةٍ، ونفسٌ ذات علمٍ وقدرةٍ. هذا الأصل وهذا استعمالٌ جائز، ليس هو المنكر إنما المنكر إطلاق الذات على النفس والعين، وأما إضافتها إلى الصفة بمعنى صاحبة الصفة هذا معنًى لغوي ولا إشكال فيه، وحيث جاء في القرآن أو لغةِ العرب لفظ ذو ولفظ ذات لم يجئ إلا مقرونًا بالإضافة ملازمًا للإضافة، {فَاتَّقُواْ اللهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} [الأنفال: 1] ، وقوله: {عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 119] . وقول خُبيب رضي الله عنه: وذلك في ذات الإله. ونحو ذلك، لكن هذا في أصل معناه اللغوي، ولكن لما صار النُّظَّار يتكلمون في هذا الباب، قالوا: إنه يقال إنها ذات علمٍ وقدرة، ثم إنهم قطعوا هذا اللفظ عن الإضافة. إذًا خالفوا، الأصل أنه لا يستعمل إلا مضافًا، ثم قطعوه عن الإضافة فخالفوا اللغة، ثم أدخلوا عليه ... (أل) فازداد الكلام بُعدًا عن لغة العرب، عرفتم الآن الفرق بين النوعين؟ ليس المراد أن اللفظ لا يُستعمل، لا، وإنما المراد أنه يستعمل مضافًا بدون (أل) بمعنى صاحبةِ الصفات، وأما إطلاقه بعد قطعه عن الإضافة وتحليته بـ (أل) والمراد به النفس، أو العين، أو ذات الشيء، هذا مخالفٌ للسان العرب.
قال رحمه الله تعالى: فقالوا الذات. إذًا الذات هذا المخالف، وأمَّا ذات علمٍ، ليس فيه خلاف، وهي لفظٌ مُوَلَّدٌ ليس من لفظ العرب العرباء، إذًا لفظٌ مولد، يعني: مصطنع، ولهذا أنكره طائفةٌ من أهل العلم كـ أبي الفتح ابن برهان، وابن الدهان وغيرهما، وقالوا: ليست هذه اللفظة عربية. ورد عليهم آخرون كـ القاضي وابن عقيل وغيرهما.
قال رحمه الله تعالى: وفصل الخطاب أنها ليست من العربية العرباء، بل من المولدة، كلفظ الموجود، ولفظ الماهية، والكيفية، ونحو ذلك، فهذا اللفظ يقتضي وجود صفاتٍ تضاف الذات إليها، فيقال: ذات علمٍ، وذات قدرةٍ، وذات كلامٍ. والمعنى كذلك، يعني: لا إشكال فيه، فإنه لا يمكن وجود شيءٌ قائمٌ بنفسه في الخارج لا يتصف بصفةٍ ثبوتيةٍ أصلًا، بل فرد هذا في الخارج كفرد عرضٍ يقوم بنفسه لا بغيره. إذًا كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى هو الحق في هذه المسألة، أن لفظ الذات بـ (أل) محلى مع قطعه عن الإضافة، هذا لفظٌ مُوَلَّد، حينئذٍ يَرِدُ السؤال هل يُطلق على الله عز وجل الذات؟ نقول: هذا إن كان من باب الإخبار فحينئذٍ شأنه كشأن الصانع ونحوه، والموجود ونحوه، وأما إن كان من باب الأسماء فلا يجوز، فإطلاق الذات على الخالق من باب الإخبار لعدم ورود اللفظ بذلك.