والثاني: التوحيد العملي، أو الطلبي، أو القصديَ، أو الإيراديّ كلها أسماء والمسمى واحد، فالتقابل بين العلم والعمل، وهو المسمى بتوحيد الألوهية، ويسمى التوحيد الفعليّ لأنه متضمنٌ لأفعال القلوب والجوارح، فأفعال القلوب كـ: الرجاء، والخوف، والمحبة. والجوارح كـ: الصلاة، والزكاة، والحج ونحو ذلك، فهو إفراد الله بأفعال العبيد، وهذا النوع من باب الطلب، الآن عندنا الكلام ينقسم إلى قسمين: خبرٌ، وطلبٌ.
التوحيد العلمي هذا مبنيٌ على الخبر، التوحيد العملي مبنيٌ على الطلب فيه أمرٌ ونهي، والأول ليس فيه أمرٌ ونهي، حينئذٍ يكون هذا من قبل المتكلِّم إما آمرًا وإما ناهيًا، ومن قبل المخاطَب إما ممتثلًا أو لا، وهذا النوع من باب الطلب الدائر بين الأمر والنهي من قبل المتكلِّم المقابل بالامتثال، أو الترك من قبل المكلَّف، والمراد به عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وتجريد محبته والإخلاص له وخوفه ورجائه، والتوكل عليه، والرضا به ربًّا وإلهًا ووليًّا، وأن لا يجعل له عِدلًا في شيءٍ من الأشياء وهو توحيد العبادة، يُسمى توحيد العبادة، والقرآن كله يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: القرآن كله من أوله إلى آخره في تقرير هذين النوعين. يعني القرآن كله، بل السنة كذلك في التوحيد، ما خلق الله عز وجل الخلق إلا لأجل التوحيد، ولم يأمرهم إلا بالتوحيد إجمالًا وتفصيلًا، على النحو الذي سيذكره رحمه الله تعالى، القرآن كله من أوله إلى آخره في تقرير هذين التوحيدين لأنه إما خبرٌ عن الله عز وجل، وما يجب أن يُوصف به، وما يجب أن ينزه عنه، وهو التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي، مبناه على المعرفة والإثبات والاعتقاد فحسب، وإما دعوةٌ إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الطلبيّ الإيراديّ، وإما أمرٌ ونهيٌ، أقم الصلاة، إيتاء الزكاة، هذه ما علاقتها بالتوحيد؟ نقول: هذه كل الأوامر من لوازم التوحيد. وإما أمرٌ ونهيٌ، وإلزامٌ بطاعته، فذلك من حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبرٌ عن إكرامه لأهل التوحيد وما فعل بهم في الدنيا من النصر والتأييد، وما يكرمهم به في الآخرة وهو جزاء توحيده، وإما خبرٌ عن أهل الشرك، وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يفعل بهم في العقبى من العذاب، فهو جزاء من خرج عن حكم توحيده، فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائه، وهو كلامٌ حقٌ واضحٌ بين لمن تأمل كلام الله تعالى.
وقول الناظم: (أيَا مَن يَفْهَمُ) جملة كمل بها البيت، و (أيَا) حرف نداء، ينادى به القريب والبعيد، وقيل: البعيد. على خلاف، تقول: أَيَا زَيْد أَقْبِل. و (مَن يَفْهَمُ) ، أي الفاهم، (مَن) موصولة وهي مع ما بعدها تأول بمشتقٍ، أي الفاهم، والفهم هو إدراك معنى الكلام، والكلام في هذا الفصل عقده المصنف رحمه الله تعالى على النوع الأول، وهو التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي، ولذلك قال الناظم:
إثْبَاتُ ذَاتِ الرَّبِّ جَلَّ وعَلاَ ... أسْمَائِهِ الْحُسْنَى صِفَاتِهِ العُلَى