(فَمَن) هذه الفاء فاء الفصيح، لأنها أفصحت عن جواب شرطٍ مقدر، وهي شرطية تفيد العموم، مَن هنا شرطية تفيد العموم، يعني كل شخصٍ قليلًا كان أو كثيرًا، ذكرًا كان أو أنثى، حرًّا كان أو عبدًا، ففيها عموم من هذا الوجه، (يُصَدِّقْهُم) ، يعني الرسل، أي ينسبهم إلى الصدق، وهو مطابقة الواقع، يقال: صَدَّقْتُ فلانًا. نسبته إلى الصدق، وَأَصْدَقْتُهُ وجدته صادقًا، (بِلا شِقاقِ) أي بغير تكذيبٍ ولا مخالفة، والشقاق هو المخالفة، (بِلا شِقاقِ) ولا هنا بمعنى غير، يقال: جِئْتُ بِلا زَادٍ. إذًا (فَمَن يُصَدِّقْهُم) يعني يصدق الرسل، ينسبهم إلى الصدق فيما جاءوا به من عند الله عز وجل، ثم هذا الصدق يسلم عن المشاقة والمخالفة من كل وجهٍ، ولذلك قال: (بِلا شِقاقِ) . والشقاق هنا فِعَال بمعنى مفعول، أي مشاقة ومخالفة، وهو نكرة في سياق النفي فيعم، حينئذٍ أدنى مشاقة فهي منفية بهذا النص، (فَقَد وَفَى بِذَلِكَ الْمِيثاقِ) ، (فَقَد) حرف تحقيق، (وَفَى) أي لربه عز وجل، وَفَى بِعَهْدِهِ يَفِي وَفَاءً، وَفَى يَفِي، ويَوْفِي، وقعت الواو بين عدوتيها فحذفت، كـ وَعَدَ، وَعَدَ يَعِدُ، ووَعَدَ يَوْعِدُ، وَفَى يَفِي، أصله يَوْفِي، حذفت الواو في المضارع لماذا؟ لوقوعها بين عدوتيها الياء والكسرة، إذًا وَفَى يَفِي، يقال: وَفَى بِعَهْدِهِ يَفِي وَفَاءً وَأَوْفَى إذا تَمَّمَ العهد، ولم ينقض حفظه، واشتقاق ضده، وهو الغدر يدل على ذلك وهو الترك، يعني المحافظة على العهد، إذًا (فَمَن يُصَدِّقْهُم بِلا شِقاقِ ** فَقَد وَفَى) أي تَمَّمَ العهد الذي أخذه الله عز وجل عليهم في ظهر أبيه آدم، وقوله: (بِذَلِكَ) هذا متعلق بقوله: (وَفَى) واللام للبعد، بلعد العهد به، والميثاق (أل) للعهد الذكري، أي الميثاق الأول، الذي ذكره المصنف ابتداءً رحمه الله تعالى، والميثاق هو عقدٌ مؤكد بيمين وعهدٍ، وَالْمَوْثِقُ الاسم منه، وهؤلاء الذين وَفَوْا بهذا الميثاق هم القليل من الثقلين، من الجن والأنس، يعني من آمن بالرسل هم القلة، ولكن هم جند الله الغالبون المنصورون في الدنيا، وحزبه المفلحون الفائزون في الآخرة، وجواب الشرط: (وَذاكَ ناجٍ مِن عَذابِ النَّارِ) ، (فَمَن يُصَدِّقْهُم) ما الذي يترتب على هذا الفعل فعل الشرط؟ قال: (وَذَاكَ ناجٍ مِن عَذابِ النَّارِ) . (وَذاكَ) .
فَمَن يُصَدِّقْهُم بِلا شِقاقِ ... فَقَد وَفَى بِذَلِكَ الْمِيثاقِ