الصفحة 59 من 439

والذي دل عليه النص هو الإنذار والتبشير، والحكمة في ذلك، أي من إرسال الرسل وإنزال الكتب، قال: (كَيْ لا يَكُونَ حُجَّةٌ للنَّاسِ) . لكي لا يكون، (يَكُونَ) هذا منصوب بـ (كَيْ) ، و (حُجَّةٌ) اسم يكون، و (للنَّاسِ) هذا متعلق بمحذوف خبر (يَكُونَ) ، كي لا يكون حجة كائنةً للناس، يعني ما أرسل الله عز وجل الرسل إلا لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، أي لأجل عدم وقطع احتجاج الناس على خالقهم، إذ لو لم يرسل إليهم لكان ذلك فيه حجة، يعني الله عز وجل خلقهم لعبادته، ثم أخذ عليهم الميثاق بعد خلق آدم عليه السلام، ثم لما خلقهم وأوجدهم نسوا ذلك الميثاق حينئذٍ إذا لم يحصل تذكير فقد يكون ثَمَّ حجة للناس، فقطع الله عز وجل الحجة على الخلق ببعث الرسل (كَيْ لا يَكُونَ حُجَّةٌ) ، أي على الله عز وجل، وحذفها المصنف هنا للعلم بها، والحجة هي: الدلالة المبينة للمحجة، أي المقصد المستقيم، يعني الدليل، لئلا يحتج الناس بعدم إرسال الرسل على الله عز وجل بأنهم أشركوا، وإنما وقع الشرك لعدم علمهم بأن هذا من الشرك، وعدم علمهم بالتوحيد، والذي يقتضي صحة أحد النقيضين، قال تعالى: {قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ} [الأنعام: 149] . ويجوز أن يُسَمَّى ما يحتج به حجة، كل ما يحتج به فهو حجة، سواء كان حقًّا أو باطلًا، يعني الحجة ليست خاصةً خاص بالحق، وإنما تشمل كذلك الباطل، كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ} [الشورى: 16] . سماها ماذا؟ سماها حجة، فسمى الداحضة حجة، قال: (بَلْ** للهِ أَعلَى حُجَّةٍ عَزَّ وَجَلْ) . (كَيْ لا يَكُونَ حُجَّةٌ للنَّاسِ بَلْ) هذا إضراب وانتقال، لله عز وجل على جميع خلقه وعباده من الثقلين (أَعلَى حُجَّةٍ) ، (أَعلَى) هنا أفعل التفضيل، وليست على بابها، يعني ليس ثَمَّ حجة عالية، وحجة أعلى منها، إذ الخلق ليس لهم حجة البتة، حينئذٍ نقول: (أَعلَى) هنا أفعل التفضيل، وليست على بابها، يعني ليس للخلق حجة مطلقًا، لأن الرسل هنا قد بعثوا (أَعلَى حُجَّةٍ) ، أي: أبلغها وأدمغها عز سلطانه، وسيأتي معاني العزة، وجل شأنه عن أن يكون لأحد عليه حجة، كما قال تعالى مبيِّنًا هذه الْحِكَم التي ذكرها المصنف رحمه الله تعالى: {رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} . انقطعت الحجة ببعث وإرسال الرسل، {وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 158] ، إذًا بين في هذه المسألة أن الحجة إنما تقع ببعث الرسل، وليست بالميثاق الأول ولا بالفطرة، والنص واضحٌ بَيِّنٌ يدل على ذلك.

ثم بين المسألة الرابعة، وهي: انقسام الناس بعد بعث الرسل، فقال رحمه الله تعالى:

فَمَن يُصَدِّقْهُم بِلا شِقاقِ ... فَقَد وَفَى بِذَلِكَ الْمِيثاقِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت